الهوية الشخصية

أولاد دراج, المسيلة, Algeria
أستاذ بجامعة محمد بوضياف حاصل على الماجستير في اللسانيات والدراسات المعجمية العربية من المدرسة العليا للإساتذة *ببوزريعة البريد الإلكتروني:sghilous@yahoo.fr

الصفحات

الخميس، أكتوبر 01، 2009

نظــــرية التعلم البنائيـــــــة
Learning Structuralism إعداد الأستاذ : غيلوس صالح
ازداد الاهتمام فى الآونة الأخيرة بعلوم المستقبل ، ومنها العلوم والرياضيات ، ونتيجة لهذا الإهتمام ازداد الإهتمام بكيفية إكساب التلاميذ العلوم بطريقة وظيفية تساعدهم على تطبيق العلوم فى الحياة ، وظهرت عدة فلسفات حديثة تعد كل منها أساساً لطرق تدريس تستخدم فى العملية التعليمية ، ومن هذه الفلسفات ( الفلسفة البنائية ) والتى يشتق منها عدة طرق تدريسية مختلفة تقوم عليها عدة نماذج تعليمية متنوعة .
ويذكر ( كافالو : 2004 : 1) أن البنائية مبنية على فكرة أن الأشخاص يتعلمون عن طريق تأسيس المعرفة الجديدة بشكل فاعل ، أكثر مما يتعلمونه عن طريق تلقينهم للمعلومات. وبالإضافة إلى هذا، فإن "النظرية البنائية" تؤكد أن الأشخاص يتعلمون بفاعلية معينة عندما يقومون بأنفسهم بتكوين نتائج ذات معنى (مثل برمجيات الحاسوب أو الصور المتحركة أو الروبوتات ) .
و يهتم المتخصصون في التعليم والمهتمون به بتنظير هذا المجال من خلال الإطلاع على أكبر كم من النظريات المعنية به ولكنهم أحيانا يقعون في خطأ منهجي فادح حيث يطلقون على النظريات التي تتناول كيف يجب أن يكون المعلم وما هي الأساليب التي يجب أن يسلكها من أجل تحقيق مستوى أعلى وأسرع في إيصال المعلومات إلى المتعلمين ، يطلقون عليها نظريات التعلم وفي الحقيقة هذا خطأ كبير حيث هناك فارق بين نظريات التعلم وما يقصد هؤلاء فالمسمى الصحيح لما يقصده هؤلاء هو "نظريات التدريس" أما "نظريات التعلم" فهي شيء آخر تماما ، ويوجد فرق بين نظريات التعلم ونظريات التدريس، فنظريات التعلم يهتم بها السيكولوجيون ، وتتناول الطرق التي يتعلم بها الفرد العمليات النفسية في التعليم ، بينما نظريات التدريس فيهتم بها التربويون ، وتتناول الطرق التي يؤثر بها المعلم على المتعلم. والتربويون في حاجة إلى نظرية للتدريس وليس لنظرية تعلم. وكل نظرية تدريس لها أهدافها الأساسية ونظرتها للمتعلم وذلك ما يوفر إتجاه عام للنظرية التدريسية ، وبعض النظريات مثل النظرية البنائية تركز على أن المتعلم هو العنصر الفعال ، والبعض الآخر مثل النظرية السلوكية تظهر المتعلم بطابع المستجيب للمؤثرات. ( العز : 2006 : 1 )
وتعتبر النظرية السلوكية والنظرية البنائية هما أهم نظريتين من النظريات التربوية ويعد "سكنر" أهم علماء النظرية السلوكية بينما يعد "بياجيه" أهم علماء النظرية البنائية ، وقد أفادت كلا النظريتان الباحثين والدارسين السيكولوجيين والتربويين ودفعت الممارسين العمليين إلى السعي للإستفادة منهما في تطوير الآداء التربوي بشكل كبير .
نظرية التعلم البنائية le. Structuralism

تعتبر نظرية التعلم البنائية ( أوالتكوينية ) من أهم النظريات التي أحدثت ثورة عميقة في الأدبيات التربوية الحديثة خصوصاً مع جان بياجيه ، الذي حاول انطلاقا من دراساته المتميزة في علم نفس الطفل النمائي أن يمدنا بعدة مبادئ ومفاهيم معرفية علمية وحديثة طورت الممارسة التربوية . كما أنه طبق النتائج المعرفية لعلم النفس النمائي على مشروعه الأبستيمي (الأبستمولوجيا التكوينية) .
والبنائية مدرسة أسسها العالم النفسى )فيلهيلم فونت ) و التي تعرف علم النفس بأن وظيفته هو تحليل الخبرة الشعورية أو الوعي إلى عناصره اﻷساسية من أجل معرفة العلاقة بين هذه العناصر المختلفة ، أي أن طريقة البحث هذه نفس الطريقة التي يستعملها الكيميائي أو الفيزيائي في فحص ماهية طبيعة مكونات الخبرة الشعورية مثل اﻷحاسيس و المشاعر و الخيالات . وهكذا ركزت المدرسة البنائية على دراسة موضوع الحس و الإدراك في مجالات البصر و الحس ، و من أجل ذلك استعملوا طريقة في البحث و هي الإستبطان و التي تعني التأصل/الملاحظة الذاتية لخبرة الفرد الذاتية .( ويكيبيديا : 2006 :1 )
فالبنائية نظرة تعتبر أن المعرفة لا يمكن أن توجد خارج الفرد ولكنها بناء للواقع وتحدث نتيجة البناء العقلى الإيجابى ، وأن الإدراك ينتج من خلال التفاعل بين المعرفة المسبقة المتراكبة والمعرفة الجديدة ويحدث لها ثبات عن طريق الممارسة ، كما تفترض حدوث توازن وعلاقات بين الأفكار بدلاً من تكوين أفكار جديدة ، أى أن نمو المفاهيم أفضل من تكوين المفهوم .
ولقد تعددت تعريفات البنائية فى الكتابات التربوية ، ويمكن تقسيم هذه التعريفات إلى قسمين رئيسيين هما :ـ ( النجدى وآخران : 2005 : 357 ـ 358 )
· القسم الأول : ينظر إلى البنائية كنظرية فى المعرفة باعتبارها ترى أن كل فرد يبنى المعرفة بنفسه ، وعلى ذلك فالمعرفة يتم بناؤها ولا يتم تلقيها بصورة سلبية ، ووظيفة المعرفة على ذلك تكيفية .
· القسم الثانى : ينظر إلى البنائية كنظرية فى التعلم ، حيث أن التعلم لكى يحدث يحتاج إلى بناء أو إعادة بناء المخططات العقلية للفرد بواسطة عمليات عقلية معينة ، وعلى هذا فالعلم يحدث نتيجة تولد شخصى للمعنى من خلال الخبرات التى يمر بها المتعلم .
ولقد أشار ( أحمد المهدى : 2003 : 1ـ3 ) إلى أن البنائية في رأي كثير من أهل الرأي هي المقابل العربي لمصطلح في الإنجليزية هو Constructivism، ويلتبس هذا المصطلح في أذهان بعض الناس بنظرية أخرى هي البنيوية Structuralism وهي نظرية مغايرة للبنائية في النشأة ، وفي المغزى ، وفي التضمينات والتطبيقات ، والبنائية لفظة جذابة ، تعادل في جاذبيتها ألفاظ أخرى مثل: الحرية، والتحرر، والديمقراطية، والحداثة، وما بعد الحداثة، ونحو ذلك من الكلمات التي يكثر ترديدها؛ لأغراض مختلفة، تجلب لمردديها راحة نفسية، وتوشي بانتمائهم إلى فريق معين من المفكرين ، والنظرية البنائية ليست شعاراً سياسياً على نحو ما نجد في كتابات بعض المسئولين عن التعليم في البلاد العربية حين يقول أحدهم (مثلاً): "التعليم للتمييز والتمييز للجميع"، أو "إن التعليم يعنى صناعة التفوق"، أو "فكر عالمياً ونفذ محلياً " ، وقد دلتني قراءة عينة مما كُتب عن "البنائية" على أنها تمثل نوعاً من المعرفة البينية "Interdisciplinary"، فهي تجسيم جيد وتوحيد متميز لروافد شتى، انبثقت من أنظمة معرفية متنوعة Multidisciplinary من بينها: الفلسفة، وعلم اللغويات، وعلم نفس النمو، وعلم نفس العرفان، والاجتماع، والأنثروبولوجي، وفلسفة العلوم، والبحوث الأمبريقية في تعليم الرياضيات والعلوم واللغات ، ولذا فإن أحــد أعلام الفكــر التربوي في أوروبا ( Renders Duit ) يصفها بأنها: "صيغة فكرية حديثة ، وأنها ذات نفع كبير لترشيد البحث التربوي، وتصويب الممارسات التعليمية".
وليس بمستغرب أن تتعدد المصطلحات التي تشير إلى النظرية البنائية ، إذ يشار إليها أحياناً بمصطلح البنائيةConstructivism ، ومصطلح البنائية الاجتماعية Social Constructivism، ومصطلح البنائية النفسية Psychological Constructivism، ومصطلح البنائية الراديكالية Radical Constructivism .
ولعل أقيم ما قيل عن البنائية هو ما تضمنه المجلد السنوى الذي أصدرته أقدم وأرفع منظمة تربوية في أمريكا المعروفة باسم: National Society for the Study of Education (NSSE) ، وقد قيل في هذا المجلد إن للبنائية صورتين مختلفتين هما: البنائية الفردية Individual Constructivism والبنائية الاجتماعية Social Constructivism .
ويشير ( رضا مسعد : 2001 : 25 ) إلى أن أصحاب المعرفة البنائية يرون أن المعرفة رياضية كانت أم غير رياضية ، طرائقية كانت أم مفاهيمية – يتم إكسابها للتلاميذ بشكل أفضل إذا ما أتيح لكل منهم أن يعالجها بنفسه ولنفسه مشيداً بنيته الخاصة للمعرفة والتي غالباً ما تختلف عن تلك التي تقدمها له السلطة الرياضية متمثلة في المعلم والكتاب ، وكما يرى البعض أن الاكتساب الفعال للمعرفة يكون عن طريق إعادة بنائها من الداخل ، لا عن طريق استقبالها من الخارج .

ويترتب على ما سبق ضرورة الاهتمام بالاستراتيجيات البنائية في تدريس الرياضيات ، وهى الاستراتيجيات التي يتيح تتابع إجراءات التدريس فيها للتلميذ أن يعيد بناء المحتوى الرياضي لنفسه وبنفسه ، وأن يكتشف ما بين أشـكال المحتوى من ارتباطات رياضية متنوعة( NCTM , 2000 ) ، فالتلميذ النشط يبنى المعرفة الجديدة اعتماداً على خبرته السابقة ولا يستقبلها بصورة سلبية من الآخرين .
الفرق بين النظرية البنائية والنظرية السلوكية :
كل من هاتين النظريتين تنظر إلى أهداف التعليم ، والخبرات ، وطرائق التدريس من نواح مختلفة. فالنظرية السلوكية تهتم بالسلوك الظاهر للمتعلم . بينما النظرية البنائية تهتم بالعمليات المعرفية الداخلية للمتعلم . لذلك فإن دور كل من المعلم والطالب مختلف في كلا النظريتين. فدور المعلم في السلوكية هو تهيئة بيئة التعلم لتشجيع الطلاب لتعلم السلوك المرغوب ، بينما في البنائية تهيئ بيئة التعلم لتجعل الطالب يبني معرفته بنفسه .
وكذلك إجراءات التقويم تختلف من نظرية إلى أخرى. بعض نظريات التدريس تركز على الإختبارات معيارية المرجع ، والبعض الآخر يركز على الإختبارات محكية المرجع ، أو تستخدم التجارب أو الأسئلة المفتوحة النهائية.( عبد الله المقبل : 2004 : 1 )
وبالتالي فإن الخلاف بينهما كبير حيث تطالب السلوكية المعلم بأن يغرس التصرف والإجراء اللازم للحصول على المعرفة بينما البنائية تطالب المعلم بأن يهيئ البيئة المعرفية اللازمة ويترك الطالب يبني سلوكه بنفسه.
و من الانتقادات الموجهة للنظرية البنائية : ـ
1. الإنسان و هو منفعل لا يستطيع أن يصف الخبرة الشعورية بصورة علمية.
2. الطلاب الذين أجريت عليهم التجارب فى النظرية البنائية كانوا يتدربون على هذه التجارب قبل أن تجري عليهم التجارب . ( ويكيبيديا : 2006 :1 )
إفتراضات النظرية البنائية : ( سامح عزازى : 2004 : 1 )
تقوم النظرية البنائية للمعرفة وعملية التعلم على إفتراضات أساسية من أهمها :ـ

· الإفتراض الأول : الفرد يبني المعرفة ولا يكتسبها بصورة سلبية من الآخرين ، وهذا الإفتراض يشتمل على عدة نقاط هامة تتصل بعملية إكتساب المعرفة وهى :ـ
أ‌) الفرد يبني المعرفة الخاصة به بنفسه أي أنه يكون نشطاً وفعالا أثناء عملية التعلم ، فالمعنى يتشكل داخل عقل المتعلم نتيجة لتفاعل حواسه في العالم الخارجي .
ب‌) المفاهيم والأفكار والمبادىء تنتقل من فرد لآخر كما هي ، فالمستقبل لمن يبني لنفسه معنى خاص فتكسبه تلك المعلومات معنى ذاتياً.
وعلى ذلك فإننا لا نستطيع أن نضع الأفكار في عقول التلاميذ بل يجب أن يبنوا المعاني الخاصة بهم .

· الإفتراض الثاني:- إن وظيفة العملية المعرفية هي التكيف مع تنظيم العالم التجريبي وليس إكتشاف الحقيقة المطلقة .فاكتساب المعرفة يتم من خلال التكيف مع الخبرات الجديدة التى نواجهها والمحيطة بنا في البيئة، حيث يستخدم المتعلم أفكاره السابقة في فهم وإستيعاب الخبرات الجديدة ويظل البناء المعرفي للمتعلم متزنا ما دامت الخبرة تتفق مع توقعات المتعلم في ضوء خبراته السابقة حيث يدمج الخبرة الجديدة ضمن المعرفة الموجودة لديه ، أو يقع في حيرة عند حدوث تناقض بين مالديه في البنيــة المعرفية والخبرة الجديدة مما يدفعه لتعديل البناء المعرفي بحيث يستوعب الخبرة الجديدة.
· الإفتراض الثالث:- المعرفة القبليـة للمتعـلم شـرط أساسي لبناء التعلم ذو المعنى . فالخبرة هي المحور الأساسي لمعرفة الفرد ، لذا فالمعنى المتكون لدى المتعلم يتأثر بخبراته السابقة كما يتأثر بالسياق الذي يكتسب فيه هذا المعنى ، فالتلميذ يستخدم معلوماته ومعارفه في بناء المعرفة الجديدة التى يقتنع بها ، والمعلم لا يستطيع أن يدرس المعرفة ويتوقع إستيعابها بواسطة تلاميذه ، ولكن يجب أن يوفق بينها وبين معارف تلاميذه السابقة لتحدث عملية الفهم والاستيعاب.
· الإفتراض الرابع :- النمو المفاهيمي ينتج من خلال التفاوض الأجتماعي مع الآخرين ، فالفرد لا يبني معرفته عن العالم المحيط من خلال أنشطته الذاتية ولكن المعرفة يتم بناؤها من خلال التفاوض الإجتماعي مع الآخرين في بيئة تعاونية فمن خلال مناقشة الفرد لما وصل إليه من معاني مع الآخرين تتعدل هذه المعاني لدى الفرد في ضوء ما يسفر عنه التفاوض بينه وبينهم .
وحدد ميرل وجونز ( Meril & Jones,1996 ) هذه الإفتراضات فيما يلى :ـ

· التعلم البنائى ( Constructed Learning) : ويعنى أن المعرفة تبنى من خلال الخبرة ، والتعلم عملية بنائية .
· التفسير الشخصى ( Personal inter Predation ) : ويعنى أنه لا توجد نتائج واقعية ومشتركة ، والتعلم هو نتاج للتفسير الشخصى للخبرة .
· التعلم عملية نشطة (Active Learning ) : ويعنى أن التعلم عملية نشطة ينمو فيها المعنى على أساس الخبرة .
· التعلم عملية تعاونية ( Co-operative Learning ) : ويعنى أن دور التعلم هو الإرتقاء بالتعاون مع المجالات الأخرى .
· تحديد التعلم ( Learning Situated ) : ويعنى أن التعلم لابد أن يحدث فى بيئة واقعية .
· تكامل الإختبارات ( Testing Integrated ) : ويعنى أن الإختبار لابد أن يكون متكاملاً مع المهمة الموضوعة له وليس نشاطاً قائماً بذاته .
( النجدى وآخران : 2005 : 362 )
المفاهيم المركزية لنظرية التعلم البنائية
هناك مجموعة من المفاهيم الأساسية للنظرية البنائية نوضحها فيما يلى :ـ
· مفهوم التكيف : ويعنى أن التعلم هو تكيف عضوية الفرد مع معطيات وخصائص المحيط المادي والإجتماعي عن طريق استدماجها في مقولات وتحويلات وظيفية ، والتكيف هو غاية عملية الموازنة بين الجهاز العضوي ومختلف حالات الاضطراب واللاانتظام الموضوعية أو المتوقعة والموجودة في الواقع ، وذلك من خلال آليتي الإستيعاب Assimilation والتلاؤم Accommodation ، ويعنى ذلك تغيير في استجابات الذات بعد استيعاب معطيات الموقف أو الموضوع باتجاه تحقيق التوازن ، حيث أن الاستيعاب هو إدماج للموضوع في بنيات الذات ، والملاءمة هي تلاؤم الذات مع معطيات الموضوع الخارجي .
· مفهوم الموازنة والضبط الذاتي : الضبط الذاتي هو نشاط الذات باتجاه تجاوز الإضطراب ، والتوازن هو غاية اتساقه .
· مفهوم السيرورات الاجرائية : إن كل درجات التطور والتجريد في المعرفة وكل أشكال التكيف ، تنمو في تلازم جدلي ، وتتأسس كلها على قاعدة العمليات الإجرائية أي الأنشطة العملية الملموسة.
· مفهوم التمثل والوظيفة الرمزية: التمثل عند بياجيه ما هو سوى الخريطة المعرفية التي يبنيها الفكر عن عالم الناس و الأشياء ، وذلك بواسطة الوظيفة الترميزية ، كاللغة والتقليد المميز واللعب الرمزي...والرمز يتحدد برابط التشابه بين الدال والمدلول ؛ والتمثل هو إعادة بناء الموضوع في الفكر بعد أن يكون غائبا .
· مفهوم خطاطات الفعل : الخطاطة هو نموذج سلوكي منظم يمكن استعماله استعمالا قصديا، وتتناسق الخطاطة مع خطاطات أخرى لتشكل أجزاء للفعل ، ثم أنساقاً جزيئة لسلوك معقد يسمى خطاطة كلية . وإن خطاطات الفعل تشكل ، كتعلم أولي ، ذكاءً عملياً هاماً ، وهو منطلق الفعل العملي الذي يحكم الطورالحسي ـ الحركي من النمو الذهني. ( محمد الصدوق : 2006 : 1)
مبادئ التعلم في النظرية البنائية :
من أهم مبادئ التعلم في النظرية البنائية ما يلى :ـ
· التعلم لاينفصل عن التطور النمائي للعلاقة بين الذات والموضوع .
· التعلم يقترن باشتغال الذات على الموضوع وليس باقتناء معارف عنه .
· الاستدلال شرط لبناء المفهوم ، حيث المفهوم يربط العناصر والأشياء بعضها ببعض والخطاطة تجمع بين ما هو مشترك وبين الأفعال التي تجري في لحظات مختلفة ، وعليه فإن المفهوم لايبنى إلا على أساس استنتاجات استدلالية تستمد مادتها من خطاطات الفعل .
· الخطأ شرط التعلم ، إذ أن الخطأ هو فرصة وموقف من خلال تجاوزه يتم بناء المعرفة التي نعتبرها صحيحة .
· الفهم شرط ضروري للتعلم .
· التعلم يقترن بالتجربة وليس بالتلقين .
· التعلم هو تجاوز ونفي للإضطراب
الأسس التى تقوم عليها النظرية البنائية :
حددت جامعة فاندربلت الأسس التالية للنظرية البنائية :ـ
· تبنى البنائية على التعلم وليس على التعليم .
· تشجيع وتقبل استقلالية ومبادرة المتعلمين .
· تجعل المتعلمين مبدعين .
· تجعل التعلم عملية .
· تشجع البحث والاستقصاء لدى المتعلمين .
· تؤكد على الدور الناقد للخبرة .
· تؤكد حب الإستطلاع لدى المتعلمين .
· تأخذ النموذج العقلى للمتعلم فى الحسبان .
· تؤكد على الأداء والفهم عند تقييم التعلم .
· تؤسس على مبادئ النظرية المعرفية .
· تعمل على استخدام المصطلحات التالية ( التنبؤ ـ الإبداع ـ التحليل ).
· تأخذ فى الاعتبار كيف يتعلم التلاميذ .
· تشجع المتعلمين على الإشتراك فى المناقشة .
· ترتكز على التعلم التعاونى .
· تضع المتعلمين فى مواقف حقيقية .
· تؤكد على المحتوى الذى يحدث التعلم .
· تأخذ فى الاعتبار معتقدات واتجاهات المتعلمين .
· تزود المتعلمين بالفرص اللازمة لبناء المعرفة والفهم من خلال الخبرات .
ويرى كل من سمردون وبوركام ( Smerdon & Burkam , 1999 , p. 5) أن الاستراتيجية البنائية تقوم على عدة مسلمات منها :ـ ( رضا مسعد : 2001 : 25 )
· أن بناء المعلومة أفضل من تقديمها جاهزة .
· أن معلومات المجموعة أكبر من مجموع معلومات كل فرد على حدة .
· أن التعلم يجب أن يكون إيجابياً وليس سلبياً من جانب التلميذ
النظرية البنائية في حقل التربية :
يرى ( بياجيه ) أن التعلم هو شكل من أشكال التكيف من حيث هو توازن بين استيعاب الوقائع ضمن نشاط الذات وتلاؤم خطاطات الإستيعاب مع الوقائع والمعطيات التجريبية باستمرار. فالتعلم هو سيرورة استيعاب الوقائع ذهنيا والتلاؤم معها في نفس الوقت . كما أنه وحسب النظرية البنائية مادام الذكاء العملي الإجرائي يسبق عند الطفل الذكاء الصوري ، فإنه لا يمكن بناء المفاهيم والعلاقات والتصورات والمعلومات ومنطق القضايا إلا بعد تفعيل هذه البناءات على أسس الذكاء الإجرائي . وعليه وحسب ما ذكر ( بياجيه ) ، يجب تبني الضوابط التالية في عملنا التربوي والتعليمي :ـ
· جعل المتعلم يكون المفاهيم ويضبط العلاقات بين الظواهر بدل استقبالها عن طريق التلقين .
· جعل المتعلم يكتسب السيرورات الإجرائية للمواضيع قبل بنائها رمزياً.
· جعل المتعلم يضبط بالمحسوس الأجسام والعلاقات الرياضية ، ثم الإنتقال به إلى تجريدها عن طريق الإستدلال الإستنباطي.
· يجب تنمية السيرورات الإستدلالية الفرضية الإستنباطية الرياضية بشكل يوازي تطور المراحل النمائية لسنوات التمدرس .
· إكساب المتعلم مناهج وطرائق التعامل مع المشكلات و اتجاه المعرفة الإستكشافية بدل الإستظهار.
· تدريبه على التعامل مع الخطأ كخطوة في اتجاه المعرفة الصحيحة .
· اكتساب المتعلم الاقتناع بأهمية التكوين الذاتي. ( محمد الصدوق : 2006 : 1 )
ويشير ( رضا مسعد : 2001 : 26 ) إلى أن تطبيق البنائية في مجال التعليم والتعلم يتطلب أن يوفر المعلم بيئة التعليم المناسبة من حيث توفير خبرات تعليمية لعمليات بناء المعرفة ، توفير خبرات من وجهات نظر متعددة ، جعل التعلم واقعي ذو مضمون يسهل تطبيقه في الحياة ، إعطاء المتعلم دوراً في عملية التعلم ، وضع المتعلم في خبرات اجتماعية ، تشجيع المتعلم على التعبير عن أفكاره بطرق متعددة ، وإعطاء المتعلم ثقة في قدرته على بناء المعرفة .
وبالنسبة للمتعلم أكد بركنز ( Perkins , 1999 , p. 12 ) على ثلاثة أدوار رئيسة ومتميزة يجب أن يقوم بها المتعلم أثناء التعلم البنائى ، وهذه الأدوار هي أن المتعلم نشط أثناء عملية التعلم ، اجتماعي لا يعيش بمفرده يبنى المعرفة من خلال وسط اجتماعي يساعده، ومبدع خاصة إذا هُيئت له الظروف المساعدة على الإبداع واكتشاف العلاقات وبناء المعرفة بنفسه .
ويتطلب التعلم البنائى امتلاك المتعلم لمهارات التفكير الأساسية كي يستطيع طرح تساؤلاته ويحاول البحث عن إجابات لها وإجراء تكامل بين المعلومات المختلفة للحصول على فهم أعمق لها ، وتعتبر معرفة الطلاب للإجابة الصحيحة لأي مشكلة رياضية عملاً مهماً ، ولكن الأهم من هذا العمل هو فهم أسباب صحة هذه الإجابة ومبرراتها .
والتعلم البنائى يعتمد بدرجة أساسية على الفهم . فالطلاب القادرون على الفهم يستفيدون من الأنواع المناسبة من الخبرات التي يوفرها لهم المعلم ، والتي تمكنهم من تقييم تفكيرهم وتفكير الآخرين، ويساعدهم ذلك بدرجة كبيرة على بناء معرفتهم بأنفسهم .
كيف يمكن توظيف هذه النظرية في تعلم الطلاب ؟ مما سبق نجد أن النظرية البنائية بما تحوية من فلسفة تربوية تقدم تعلماً أفضل وحبذا تطبيقها في العلوم المختلفة الانسانية والتطبيقية والرياضية ، وهذا يحتم علينا كمعلمين عدم التسرع وتقديم المعلومات للطلاب على أطباق من ذهب أو فضة بل يجب تكليفهم بعمل ما للحصول على المعلومة مثل البحث عنها في مصادر المعلومات المختلفة المتوفرة – المكتبة ،البيت ،الانترنت إلخ ، وعمل البحوث العلمية المناسبة لسنهم ، ورفع مهاراتهم في مجال الاتصال بالآخرين بشتى أشكاله التقليدية اللفظية اللغوية والالكترونية لتبادل المعلومات والخبرات وتوفير بيئة ثرية بالمعلومات ومصادرها و العمل على إيجاد قدراً من الدافعية لضمان استمرار الطلاب في العمل مع مراعاة مناسبة شتى الأنشطة لعمرالطلاب واستعدادتهم الذهنية والعضلية.
نماذج واستراتيجيات النظرية البنائية فى تعلم العلوم :
نظراً لما تتضمنه الفلسفة البنائية من نظريات عديدة فى تعليم وتعلم العلوم فقد نتج عنها العديد من النماذج التى تقوم على الدور النشط للمتعلم ، ومن هذه النماذج :
· النموذج التعليمى التعلمى .
· النموذج الواقعى .
· نموذج جون زاهوريك .
· نموذج بايبى .
· نموذج ويتلى .
· نموذج سوشمان .
· النموذج التعليمى المعرفى .
ونظراً لأن التدريس البنائى يسعى إلى خلق بيئة تعليمية تفاعلية ومتحدية لأفكار التلاميذ فقد ظهر اهتمام عالمى بتطبيق الممارسات البنائية فى تعليم وتعلم العلوم ، كما تعددت وتنوعت الاستراتيجيات التدريسية القائمة على النظرية البنائية لأن النظرية البنائية لم تقدم استراتيجيات تدريسية معينة ولكنها قدمت معايير للتدريس الفعال ، ومن أهم الإستراتيجيات التى تقوم على الفلسفة البنائية ما يلى :
· استراتيجية دورة التعلم لكاربلس .
· استراتيجية التدريس بخرائط الشكل V .
· استراتيجية ياجر .
· استراتيجية التغير المفاهيمى .
· استراتيجية التعلم التوليدى .
· استراتيجية بيركنز وبلايث .
· استراتيجية وودز . ( أحمد النجدى وآخران : 2005 : 411 ـ 469 )
وفيما يلى سنعرض لنموذج للتعلم البنائى وأهم خصائصه وخطواته .
نموذج التعلم البنائي*:
ورد هذا النموذج بأسماء مختلفة في العديد من الدراسات (Carin, 1993; yager, 1991)، منها: نموذج التعلم البنائي (The Constructivist Learning Model) وقد استخدم هذا المصطلح Yager (1991)، أو نموذج المنحى البنائي في التعليم الذي يوجه التعلم (The Constructivist Oriented Instructional Model to Guide Learning (The Teaching Model)) وقد تبنت هذا المصطلح Susan Loucks-Horsley et,al (1990) التي طورت في النموذج ليصبح بالشكل الحالي.
يؤكد نموذج التعلم البنائي على ربط العلم بالثقافة والمجتمع، ويسعى إلى مساعدة التلاميذ على بناء مفاهيمهم العلمية ومعارفهم من خلال أربع مراحل مستخلصة من مراحل دورة التعلم الثلاث (استكشاف المفهوم، استخلاص المفهوم، تطبيق المفهوم)، وهذه الأربع مراحل هي: مرحلة الدعوة، ومرحلة الاستكشاف، ومرحلة اقتراح التفسيرات والحلول، ومرحلة اتخاذ القرار، ولكل منها جانبان العلم والثقافة.
* أنظر :( على الغافرى : 2006 : 1 ) ، ( النجدى وآخران : 2005 : 294 ـ 295 )
واعتمدت مراحل نموذج التعلم البنائي على الفلسفة البنائية في بناء المتعلم لمفاهيمه العلمية من خلال العمليات العقلية، كما اعتمدت على الطرق التي يتعلمها المتخصصون ويعملون بها في العلم والثقافة.
وتسير هذه المراحل بشكل متتابع في خطة سير الدرس، فهي تبدأ بالدعوة وتنتهي باتخاذ القرار، كما أنها تعتبر متداخلة ومتكاملة مع بعضها البعض ومع العلم والثقافة وتتفاعل معهما من خلال الإستقصاء وحل المشكلات، ناهيك على أنها تسير عملية التعلم فيها بطريقة دينامكية ودورانية، لذا فإن خطة سير الدرس تتوقف على الموقف التعليمي التعلمي فإذا ما جد جديد ـ كظهور مهارة جديدة ـ سيؤدي إلى دعوة جديدة ومن ثم إلى استمرارية الدورة.
مزايا نموذج التعلم البنائى:
يمتاز نموذج التعلم البنائي بعدة ميزات منها :
· يجعل المتعلم محور العملية التعليمية من خلال تفعيل دوره ، فالمتعلم يكتشف ويبحث وينفذ الأنشطة.
· يعطي للمتعلم فرصة تمثيل دور العلماء؛ وهذا ينمي لديه الاتجاه الإيجابي نحو العلم والعلماء ونحو المجتمع ومختلفة قضاياه ومشكلاته.
· يوفر للمتعلم الفرصة لممارسة عمليات العلم الأساسية والمتكاملة.
· يتيح للمتعلم فرصة المناقشة والحوار مع زملاءه المتعلمين أو مع المعلم؛ مما يساعد على نمو لغة الحوار السليمة لديه وجعله نشطا.
· يربط نموذج التعلم البنائي بين العلم والتكنولوجيا، مما يعطي المتعلمين فرصة لرؤية أهمية العلم بالنسبة للمجتمع ودور العلم في حل مشكلات المجتمع.
· يجعل المتعلمين يفكرون بطريقة علمية؛ وهذا يساعد على تنمية التفكير العلمي لديهم.
· يتيح للمتعلمين الفرصة للتفكير في اكبر عدد ممكن من الحلول للمشكلة الواحدة؛ مما يشجع على استخدام التفكير الإبداعي، وبالتالي تنميته لدي التلاميذ.
· يشجع نموذج التعلم البنائي على العمل في مجموعات والتعلم التعاوني؛ مما يساعد على تنمية لدى المتعلمين روح التعاون والعمل كفريق واحد .
متي نختار أو لا نختار نموذج التعلم البنائي؟
يقترح ( زيتون : 2003 ) عدد من الحالات لاختيار أو عدم اختيار نموذج التعلم البنائي، لخصها في الحالات الآتية :
أولا: الحالات التي يتم فيها اختيار نموذج التعلم البنائي:
1. إذا ارتبطت أهداف التدريس بما يأتي:
· فهم المتعلم للمعلومات الأساسية: (مفهوم، مبدأ، قانون أساسي، نظرية)
· تطبيق المتعلم هذه المعلومات في مواقف / سياقات تعلم جديدة.
· تعديل الفهم أو التصورات القبلية الخطأ ذات العلاقة بموضوع الدرس.
· تنمية مهارات البحث العلمي / عمليات العلم: (الملاحظة، الاستنتاج... الخ).
· تنمية أنواع التفكير (حل المشكلات، الإبداعي، الناقد، اتخاذ القرار،العلمي)
· تنمية الاتجاه نحو موضوع الدرس / المادة الدراسية.
· تنمية مهارات المناقشة والحوار أو العمل الجماعي أو عمل الفريق.
· إظهار العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع.
2. عدد المتعلمين في الصف مناسبا.
3. معظم المتعلمين من ذوي القدرات الأكاديمية العالية والمتوسطة.
4. إمكانية توفير مصادر التعلم والمواد والأدوات والأجهزة اللازمة لممارسة المتعلمين للأنشطة الاستكشافية والأنشطة التوسيعية.
5. مرونة في تنظيم وتعديل جدول الحصص الدراسي بحيث يمكن دراسة موضوع الدرس في أكثر من حصة متتالية.
6. قدرة المتعلمين على الانضباط الذاتي والالتزام في العمل.
7. تمكن المعلم من تنفيذ نموذج التعلم البنائي وتفضيله له.
ثانيا: الحالات التي لا يتم فيها اختيار نموذج التعلم البنائي:

1. إذا كان موضوع الدرس يتطرق إلى حقائق جزئية تتطلب الحفظ أو يصعب اكتشافها من قبل المتعلم (ومثال ذلك، كتلة الإلكترون تبلغ (1÷1836) من كتلة البروتون).
2. إذا كان عدد المتعلمين في الصف كبيراً.
3. معظم المتعلمين في الصف قدراتهم الأكاديمية منخفضة أو من بطئ التعلم.
4. عدم إمكانية توفير مصادر التعلم والمواد والأدوات والأجهزة اللازمة لتنفيذ المتعلمين لأنشطة مرحلتي الاستكشاف والتوسيع.
5. إذا كان هدف المعلم الأساسي هو تدريس أكبر عدد ممكن من المعلومات في الدرس الواحد.
6. صعوبة توفير الوقت اللازم للتدريس بنموذج التعلم البنائي.
7. ضعف قدرت المتعلمين على الانضباط الذاتي.
شروط التعلم البنائى :
من أهم شروط التعلم البنائى :ـ
· تشجيع التلاميذ على الاستقلال الذاتى وإبداء الرأى والمبادرة .
· تفاعل التلاميذ مع بعضهم البعض ومع معلمهم .
· المرونة عند تقديم محتوى الدرس بما يسمح للتلاميذ بنمو تفكيرهم .
· وضع بيئة التعلم فى الاعتبار .
دور المعلم من منظور البنائية :
تتمثل أدوار المعلم التى يقوم بها والتى حددتها النظرية البنائية فيما يلى :ـ
( النجدى وآخران : 2005 : 402 ـ 404 )
· المعلم مقدم : أى يقدم مجموعة من الأنشطة والبدائل للتلاميذ وليس ناقلاً للمعرفة.
· المعلم ملاحظ : أى يعمل بطريقة شكلية وغير شكلية ليوضح أفكار التلاميذ
· المعلم مقدم أسئلة ومعطى مشكلات .
· المعلم منظم بيئى : أى ينظم ما يفعله التلاميذ بعناية ودقة .
· المعلم مساعد على حدوث علاقات عامة : أى يشجع على التعاون ونمو العلاقات الإنسانية .
· المعلم مرجع للتعلم : أى ذو خبرة يعطيها لمن يريد الاستفادة .
· المعلم بانى للنظريات : أى يساعد التلاميذ على عمل روابط بين أفكارهم .
مزايا النظـــرية البنائيــــة :
ما يلى مجموعة من المزايا التى تتوفر فى النظرية البنائية :ـ
( النجدى وآخران : 2005 : 408ـ409 )
· تؤكد البنائية على الدور النشط للمتعلم .
· تساعد المتعلمين على فهم الأفكار العلمية الجديدة .
· تنمية المفاهيم العلمية السليمة لدى المتعلمين .
· التعرف على التصورات الخاطئة لدى المتعلمين ومحاولة معالجتها .
· تكوين المفهوم فى البنائية ينشأ من خلال التفاعل بين المعرفة السابقة والمعرفة الجديدة .
· المعرفة مؤقتة ويتم اختبارها بصورة مستمرة ، والحكم عليها يتم بواسطة المعايير .

عيوب النظـــرية البنائيــــة :
هناك مجموعة من العيوب لهذه النظرية نذكر منها:ـ
( النجدى وآخران : 2005 : 409 )
· المعرفة طبقاً لهذه النظرية يتم بناؤها ، ويرى ( بياجيه وكيلى ) أنها تبنى بواسطة الفرد ، بينما يرى ( فيجوتسكى ) أنها تبنى بواسطة وسائل اجتماعية ، وعلى ذلك فإنها تقدم تفسيرات مختلفة للأسئلة : من يصنع المعرفة ؟ . وكيف يحدث ذلك ؟ . وعلى أى أساس تعتبر المعرفة الفردية أو الإجتماعية صحيحة ؟
· لم تضع البنائية حداً فاصلاً بين صناعة المعنى الشخصى للعالم والفهم المبنى نتيجة للتفاعل الإجتماعى
· الإختلافات السابقة فى كيفية بناء المعرفة تؤدى إلى تطبيقات تدريسية مختلفة .
· لا تقدم البنائية دوراً محدداً للمعلم أثناء التدريس ولكنها تجذب الانتباه إلى أفكار التلاميذ أثناء عملية التدريس .
خطوات بناء درس وفق المنظور البنائى ( نموذج التعلم البنائى ) :
يتم بناء الدروس فى المواد الدراسية المختلفة وفق المنظور البنائى باتباع الخطوات التالية :ـ
1. مرحلة الدعوة ( عرض المشكلة ) : حيث ينطلق الدرس من مشكلة متصلة بالمتعلمين ، أو بعض الأسئلة التى تدعو التلاميذ للتفكير .
2. مرحلة الاستكشاف : فى هذه المرحلة يقارن التلاميذ أفكارهم ويكون العمل فى مجموعات ، بحيث تقوم كل مجموعة بأنشطة مختلفة ، وفى هذه المرحلة يتم المزج بين العلم والتكنولوجيا ، حتى يبرز استخدام العلم فى خدمة المجتمع وحل مشاكله .
3. مرحلة اقتراح التفسيرات والحلول وتقديمها : وفى هذه المرحلة يقدم المتعلمين اقتراحاتهم للتفسيرات والحلول
4. مرحلة اتخاذ القرار ( حل المشكلة ) : ويتم فى هذه الخطوة الوصول إلى الحل المناسب للمشكلة وتنفيذه .

المراجــــــع

1. أحمـد المهـدى عبـد الحليـم : البنـائيـة والقـبليـات العرفانية. مركز تطوير تدريس العلوم ، جامعة عين شمس ،2003م ،ص ص 1 ـ 14.
2. أحمد النجدى ومنى سعودى وعلى راشد : اتجاهات حديثة فى تعليم العلوم فى ضوء المعايير العالمية وتنمية التفكير والنظرية البنائية ، دار الفكر العربى ، القاهرة ، 2005 م .
3. حسن حسين زيتون: استراتيجيات التدريس رؤية معصرة لطرق التعليم والتعلم، القاهرة: عالم الكتب ، 2003 م.
4. رضا مسعد السعيد عصر : الأنشطة الإثرائية وأثرها على تدريس الرياضياتبالمرحلة الإعدادية ،المجلس الأعلى للجامعات ، اللجنة العلمية الدائمة للتربية وعلم النفس ، 2001 م ، ص ص 1 ـ 55
5. دافيد كافالو : التعلم فى عصر المعلومات ، 2004 م .
http://www.seed.slb.com/ar/voices/science/villahermosa/constructionism.htm
6. سامح عزازى :إفتراضات النظرية البنائية واستخدامها فى تدريس الرياضيات ، يوليو ، 2004م .
http://www.yzeeed.com/vb//showthread.php?t=5341
7. عبدالله بن صالح المقبل : النظرية البنائية والنظرية السلوكية ، 2004م .
http://www.w3.org/TR/REC-html40
8. علي بن سالم بن راشد الغافري : نموذج التعلم البنائى ،2006 م .
http://www.almorappi.com/education/CLM.htm
9. محمد الصدوق : المفيد فى التربية ، 2006 م .
http://www.sadoukimoh.maktoobblog.com/?post=131913

10. منتديات العز الثقافية :أهم نظريات التدريس ، يونيو ، 2006 م .
http://www.al3ez.net/vb/index.php
11. ويكيبيديا : مدرسة البنائية فى علم النفس ، أكتوبر ، 2006 م .
www.wikibedia.orghttp//

الأربعاء، يوليو 22، 2009


تأثير النظريات العلمية اللغوية المتبادل
بين الشرق والغرب: إيجابياته وسلبياته(*)
للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح
إن التأثير الحضاري وخاصة الثقافي منه هو ظاهرة طبيعية نشأت مع نشوء الحضارات المتتالية وبحكم اتصال الشعوب منذ أقدم العصور في أشكال متنوعة سلمية وغير سلمية. والتأثير المتبادل بين الثقافات الأجنبية والثقافة العربية قد حصل من أول وهلة في الطرف الغربي من العاهلية الإسلامية: بين أوربا وصقلية والأندلس خاصة. والذي اخترناه في هذا البحث من هذا التأثير هو ميدان النظريات اللغوية وهو ميدان أعتقد أنه لم يُستقص فيه البحث؛ إذ لا يزال يسوده غموض كبير سواء فيما يخص التأثير اليوناني أو الهندي على العرب أم تأثير العرب على الغرب. وذلك لأن هذا البحث يحتاج فيه صاحبه أن ينظر في جميع ما ألف من دراسات في اللغات وفي نحو هذه اللغات أو
فلسفتها في القرون الوسطى وفي بداية النهضة الأوربية حتى القرن التاسع عشر. وفي الوقت نفسه أن يُحصي جميع ما نقل من العربية إلى اللاتينية من كتب النحو العربي وكتب الفلسفة العربية التي عالجت كل أو بعض ما يخص اللغات. وهذا عمل كبير جدًّا لم يخض فيه الباحثون بعد إلا القليل. وقد كثرت الأقوال الجازمة وغير المنصفة عن حصول تأثير المنطق اليوناني على النحو العربي دون الدراسات المطولة الموضوعية وفي مقابل هذا لا نجد أحدًا تطرق إلى تأثير النحو العربي – من حيث المفاهيم ومنهج التحليل – على النظريات اللغوية الغربية قديمًا وحديثًا، وربما لا يتصور هذا أحد من المستشرقين. ومع ذلك فهناك نصوص كثيرة وشهادات موضوعية
(*) ألقى هذا البحث في الجلسة الخامسة عشرة من جلسات مؤتمر المجمع في دورته الثامنة والستين يوم الأحد 24 من المحرم سنة 1423هـ الموافق 7 من أبريل (نيسان) سنة 2002م.
صادرة من علماء غربيين لا يشك في نزاهتهم أشاروا بصراحة إلى هذا. والكشف عن هذه الشهادات، غير كافٍ في الحقيقة،لإثبات عمق التأثير. ولا مفر من الرجوع إلى النصوص هي بعينها القديمة منها أو القريبة العهد لنتبين بالتصفح الواسع لها والتحليل المباشر ماهية المفاهيم العربية العلمية التي تسربت إلى الثقافة الغربية وإلام صارت؟ وكيف تبوأت مكانتها في النظريات الحديثة؟.
أولاً – تأثير منطق أرسطو في النحو العربي:
1- متى تأثر النحو العربي بهذا المنطق؟
نشرنا في 1964م مقالاً حاولنا(1) أن نبرهن فيه على أن النحو العربي







لم يتأثر في نشأته ولا عند اكتماله في زمان الخليل وسيبويه بمنطق أرسطو إطلاقًا. وقد أقرَّ بذلك بعد سنتين المستشرقان كارتر (Carter) وتروبو (G.Troupeau) (2).
(1) في مجلة كلية الآداب بجامعة الجزائر، المجلد الأول 1964 (ص 67 – 86).
(2) انظر Les origines de la grammaire arabe في Revue des études islamiques 40 – 1972 ( ص 69 – 97).
La logique d'Ibn al-Moqaffa et les origines de la grammaire arabe in Arabica,
( 250 – 242) 1981 .
(3) وليس الرماني هو أول من مزج النحو بالمنطق كما يزعم ابن الأنباري. والحق أنه لم يفعل هذا إذ ألفاظه ومفاهيمه هي أقرب إلى علم الكلام منه إلى المنطق الأرسطي.
(4) كان في بغداد في ذلك الزمان ثلاث مجموعات من الفلاسفة وكان أكثرهم علماء أو أطباء: أصحاب الكندي: السرخسي وأبو زيد البلخي وابن كرنيب ومجموعة ثانية على رأسها: ثابت بن قرة وأخيرًا ورثة مدرسة الإسكندرية: إبراهيم المروزي وقويري. وحصل التأثر بالفعل في زمان ابن السراج (3) – ومعاصريه كابن كيسان وغيرهما وأولئك الذين سُمُّوا بالمدرسة البغدادية. وقد ازدهرت الفلسفة اليونانية في بغداد وذلك في عهد المعتضد بالله بالضبط(4). وهناك شاهد عيان عاش في ذلك الزمان وهو تلميذ ابن السراج أبو القاسم الزجاجي. قال في كتاب "الإيضاح في علل النحو" عند كلامه عن حد الاسم: "ولأن المنطقيين وبعض النحويين قد حـدوه حـدًّا خـارجًا عـن أوضاع








النحو فقالوا: الاسم صوت موضوع دال بالاتفاق على معنى غير مقرون بزمان وليس هذا من ألفاظ النحويين ولا أوضاعهم إنما هو من كلام المنطقيين وإن كان تعلق به جماعة من النحويين وهو صحيح على أوضاع المنطقيين ومذاهبهم لأن غرضهم غير غرضنا" (ص48). وقال أيضًا: "ولابن كيسان في كتبه حدود للاسم ... هي من جنس حدود النحويين. وحده في الكتاب المختار بمثل الحد الذي ذكرناه من كلام المنطقيين" (ص50).
أما قبل ذلك بقليل فقد لاحظنا في بعض النصوص تسربًا خفيفًا للمنطق وهو يكاد لا يعتد به. وهو القول بأن الخبر هو الكلام الذي يجوز فيه التصديق أو التكذيب وذلك عند المبرد – شيخ ابن السراج – وهذا اقتباس لم يترتب عليه شيء إذ لم يغير شيئًا من النظرية العربية التي أخذها الأخفش عن سيبويه.
ثم إن الناظر الممعن في كتاب "الأصول" لابن السراج لا يمكن أن تغفل عنه التقسيمات الكثيرة التي أقامها في هذا الكتاب لأول مرة في تاريخ النحو والتي جوهرها القسمة الأفلاطونية: من الجنس إلى الأنواع والفصول. وكذلك الحدّ الذي يبنى على الجنس والفصل. وقد ورد في ترجمة ابن السراج أنه درس المنطق على الفارابي بعد موت شيخه المبرد كما أخذ منه الفارابي الشيء الكثير من علوم العربية(*) (كما سنراه فيما بعد).
2- لا أثر لمنطق أرسطو فيما سبق ذلك:
أجمع المستشرقون قبل اليوم على حصول هذا التأثير بل ذهب بعضهم إلى أن مفاهيم النحو العربي الأساسية كلها مأخوذة من منطق أرسطو. ولم يأت أحد منهم بأي دليل اللهم إلا القول باستحالة إبداع العرب لكل هذه المفاهيم الدقيقة الناضجة في
(*) المبرد: المقتضب (ت.ع. عضيمة)، 3/ 88. وأما الأخفش فانظر كتاب سيبويه تحقيق هارون 1/ 26 الهامش 1. انظر أيضًا أصول ابن السراج 1/ 36.
مدة قصيرة. وهو دليل واهٍ لأن العرب أبدعوا أشياء كثيرة غير النحو في هذه المدة القصيرة مثل مفاهيم الفقه الإسلامي ومنطق القياس التمثيلي (وهو غير السلوجسموس) ومسالك العلة عند الأقدمين وهي مفاهيم ومناهج عربية محضة، فلا يوجد علاقة بين العلة الفقهية والنحوية من جهة وعلل أرسطو من جهة أخرى(*).
فإضافة إلى ما أثبتناه في بحثنا في 1954م فإننا نقول بأنه لا يمكن أن يثبت التأثير في جوهر النحو العربي إلا إذا كانت مفاهيمه الأساسية وبالتالي تحديداته ومناهج التحليل فيه تتغلب عليها النزعة المنطقية الأرسطوطاليسية لا أي نوع من المنطق وليس الأمر كذلك. فإن النحو العربي الخليلي قد بني كله على مفاهيم أصيلة لا يوجد لها نظير في منطق أرسطو. فأساسها التمييز الصارم بين اللفظ والمعنى أي بيـن
بنية الخطاب وما يدل عليه بلفظه من جهة وبين هذه الدلالة اللفظية والدلالات غير اللفظية من جهة
(*) كارثة التخليط بين هذه المفاهيم سببها الجوهري هو ترجمة المصطلح اليوناني بمصطلح عربي سبق أن استعمل بمعنى آخر أبدعه العرب وذلك مثل القياس ومثل العلة وغيرهما.أخرى.ثم إن هذا اعتبار لغوي محض وليس بمنطقي ولا سبيل إلى عثوره في المنطق اليوناني، أما ما يخص البنية فتكتشف بحمل العبارات التي تنتمي إلى فصيلة واحدة بعضها على بعض. وأما في مستوى الكلام فبهذا الحمل يتضح أن البنية المجردة التي ينطوي تحتها كل كلام فهو العامل والمعمول الأول الذي لابد منه ثم المعمول الثاني والمخصِّصات، وهذا أيضًا أمر لغوي محض وليـس له مقابل في المنطق الأرسطي. وفيما يخص أصوات اللغة فلا نجد عند النحاة العرب مفهوم المصوت القصير ولا الطويل ولا المقطع ولا المصوت المزدوج بل نجد فيه مفهومًا خاصًّا بهم هم وحدهم وهو الحركة ومقابلها السكون،وقد بني التحليل الصوتي – والعروض– كله على هذين المفهومين.
وللعرب الجهر والهمس والشدة والرخاوة ولا يوجد مثل هذا إطلاقًا عند اليونانيين،وأما الهنود فنجد عندهم مثل هذا لكن بتصور آخر، ثم ليس عندهم ما يقابل الحرف المتحرك والحرف الساكن(*) فهو شيء تفرد به العرب.
ثم في أي مكان يمكننا أن نعثر في كتب المنطق اليوناني على المفاهيم الرياضية التي كانت أساسًا للمنهجية التحليلية الخليلية كالعلامة غير الظاهرة والابتداء وخلو الشيء (كل هذا هو الصفر) وكمفهوم المثال أو البناء ومفهومي الأصل والفرع والقسمة التركيبية في تقاليب حروف الكلمة وكل ما بنى عليه من الجبر التركيبي الذي وضعه الخليل.
3- غزو منطق أرسطو للفكر العربي وامتزاجه بالنحو العربي وما ترتب على ذلك من اختفاء المفاهيم الأصيلة:



على إثر ما حصل من تسرب الكثير من المفاهيم المنطقية في النحو العربي في نهاية القرن الثالث الهجري (ويتراءى ذلك جيدًا في جميع الكتب النحوية) أعجب العلماء بما أدخل من الحدود على النحو مما سموه "بأوضاع المنطقيين". وخاصة في الكثير مما جاء بعنوان "مختصر في النحو" ألف لتعليم العربية مثل "الموجز" لابن السراج و "الجُمل" للزجاجي وغيرهما. ففيها أثر واضح للمنطق اليوناني، إلا أن النظرية الأساسية لم تمس. فكأن الحدود وبعض المفاهيم أضيفت فقط إلى ما عرف من حدود القدامى وتفطن الكثير من العلماء إلى وجود نظريتين مختلفتين في النحو فنبهوا القراء – كما فعل الزجاجي في الإيضاح – ومن جاء بعده ممن استساغ المفاهيم المنطقية فميزوا فيما بعد، بين الحد بالجنـس والفصـل وبين الحد بذكر
(*) أول من تفطن إلى هذا هو سوسور في عصرنا هذا (المتحرك عنده هو ما يسميه Explosif والساكن الـ Implosif ) ولا يوجد هذان المفهومان عند أحد قبله إلا عند العرب وأثبتت التكنولوجيا اللغوية الحديثة أنهما حقيقة ملموسة وبالتالي ضرورة الاعتماد عليهما في البحث العلمي والتعليم.


الصفات اللازمة أي الخصائص أو العلامات وهو الحد العربي (وسموه "الحد بالرسم" تخليطًا بينه وبين الحد الرسمي المنطقي). ويقول ابن يعيش في شرحه للمفصل:"والفرق بين العلامة والحد أن العلامة تكون بالأمور اللازمة والحد بالذاتية"(7/3).
وبعد ذلك بالغ بعض النحاة من المتأخرين فأدخل في النحو الكثير من المفاهيم الفلسفية المحضة وذلك مثل ابن العريف في شرحه لجُمل الزجاجي. يقول: "قد يتركب الاسم مع الفعل فيكتفي به دون الحرف لأن العَرَض إذا اتصل بالجوهر اكتفى وقام به وكان موجودًا به". (مخطوط دار الكتب بمصر / الورقة8).
إلا أن هذا الإقحام للمفاهيم غير اللغوية في الدراسة اللغوية كان غير خطير إذ كانت تستعمل فيه المصطلحات كما وضعت على أصلها. والخطر بل الطامة الكبرى هو اختفاء المفهـوم الأصيل مع بقاء
(2) نحن لا نريد بالأصيل هنا القديم بالضرورة بل الشيء المُبْدَع غير المقتبس.
(3) في كتب أصول النحو مثل الاقتراح للسيوطي.اللفظ نفسه واستبداله بمفهوم غريب عن النظرية الأصيلة(1). وقد أشرنا من قبل إلى ما حصل من فظيع الخلط بين مفهوم السلوجسموس الأرسطوطاليسي وبين القياس العربي الذي ليس هو مجموع مقدمتين ونتيجة بتاتًا. ولحُسن الحظ لم يحصل هذا عند النحاة، حتى المتأخرين منهم، ولكن حصل - مع الأسف - عند بعض المحدثين من علمائنا في اللغة. فقد بحث بعضهم عن القياس عند أبي علي الفارسي وليس في ذهنه إلا المقدمتان والنتيجة. وبعضهم يجعله مماثلاً الـ Analogia وهي إحدى الصور الاستدلالية الثلاث عند أرسطوطاليس: القياس والاستقراء والتمثيل؛ وذلك لأنه كثيرًا ما لاحظ أن القياس غير اليوناني قد يُسمَّى قياس التمثيل(2). وكمصطلح "مفرد" أيضًا فقد يطلق على مفهوم "ما لا يدل جزؤه على جزء من معناه" وهو مفهوم أرسطوطاليسي يذكره عند حدّه

للاسم و"الكلمة" (الجزء الثاني من الحكم المنطقي). ولا يدل هذا اللفظ عند سيبويه ولا الخليل على هذا ، بل يدل على ما ليس مركبًا (كثيرًا ما يقول النحاة: "إفرادًا وتركيبًا"). وكذلك هو الأمر بالنسبة لكلمة "علة" فهي لا تدل منذ زمان بعيد على ما قصده الخليل وتلاميذه، فقد حدد هذا اللفظ في كتاب العين هكذا: "حدث يشغل صاحبه عن وجهه"(تحقيق درويش 1/ 100) وهو ما يمنع أن يكون الشيء مثل نظائره ويخرجه من بابه. وصار يطلق أخيرًا على كل سبب وعلى ما كان يُفهم من العلل الأربع الأرسطوطاليسية(1).
وهذا التخطيط هو خطير وهو عندنا من أسباب الجمود الفكري العربي لأنه منعنا (مع أسباب أخرى هامة) من أن نواصل أعمال المبدعين من أسلافنا . وقد تفطن لذلك الكثـير




من العلماء منهم ابن تيمية وقد بين الفروق القائمة بين الحد العربي والحد الأرسطي وبين القياس اليوناني الذي سماه بالقياس الشمولي وبين القياس العربي وهو غير القياس التمثيلي،ولا يعني به ما يعنيه أرسطو من التمثيل.
ثانيًا- تأثير النحو العربي وفلسفة اللغة عند العرب في النظريات اللغوية الغربية:
1- مفاهيم لغوية ظهرت عند الغربيين ولا أثر لها في التراث اليوناني اللاتيني:
(1) عند الفلاسفة.
(2) من هؤلاء المترجمين نذكر: Adelard of Bath (المولود في 1070) وJ.De sévilla وHermann و الدالماتي و Gundisalvi وR.of Chester و G.Cremonensi و M.Scot وغيرهم كثيرون وأكثرهم كانوا من العلماء ذكرهم بهذه الصفة روجر بيكون وأثنى عليهم لمعرفتهم اللغات. وقد أهمل علماؤنا في عصرنا هذه التراجم التي تركها هؤلاء ولم يتناولوها بالدراسة بل ولا حاول أحد أن يحصرها ويعرف بذلك ماهية الأفكار والنظريات والمناهج العلمية العربية (بالدقة العلمية المطلوبة) التي دخلت أوربا، ومتى وقع ذلك بالضبط وغير ذلك مما هو مهمل إهمالا كاملا. لقد دخلت المفاهيم اللغوية العربية أوربا عن طريق الفلسفة العربية التي نقلت إليهم مع الكثير من كتب العلوم ابتداء من القرن العاشر والحادي عشر الميلادي وقد تجند لترجمة الكتب العربية عدد كبير من المترجمين في الأندلس وصقلية وأوربا (مثل حلقة اكسفورد) (2). هذا




زيادة على ما كان اطلع عليه بعض العلماء الأوربيين من هذه المفاهيم في هذه الكتب مباشرة ومن كتب النحو بفضل معرفتهم للغة العربية ونخص بالذكر الداعي إلى "علم التجربة" (Scientia Experimentalis)(1) لأول مرة في أوربا ألا وهو روجر بيكون الإنجليزي Roger Bacon (المتوفى في 1214م).
مفهوم علم اللسان:
وقد اطلع روجر بيكون على ما كتبه أبو نصر الفارابي في كتاب "إحصاء العلوم" الذي كان نقل إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر (ترجمة G.Cremonensi ). يقول بيكون: "إن النحو هو في جوهره واحد في جميع اللغات وإن كانت تتنوع تنوعًا عرضيًّا" (2) . ويقول الفارابي: "وهذه ليست توجد في العربية فقط بل في جميع الألسنة...




فعلم النحو في كل لسان إنما ينظر فيما يخص تلك الأمة وفيما هو مشترك له وغيره"(ص61).
وأول من قال بذلك في تاريخ الإنسانية هو الفارابي ولم يسبقه إلى ذلك إلا بعض النحاة كالمبرد وأتباعه (خاصة ابن السراج والزجاجي)؛ إذ صرح بأن الأقسام الثلاثة للكلم هي موجودة في جميع اللغات وربما استوحى الفارابي من شيخه ابن السراج فكرته من هذا الكلام فعممه بتطبيقه على جزء كبير من اللغة. ومن ثم جاءت فكرة الكليات اللغوية (The Universals ).
وانتشرت هذه الفكرة في أوربا وكانت المصدر لما سمَّوه "بالنحو العام"Grammaire générale أوGrammaire Universal ألف فيه ج.هاريس(J.Harris) الإنجليزي كتابه Hermes (3)وكذلك فلاسفة "الموسوعة"
(1) أدرك بيكون جيدًا ما وجده في كتب ابن الهيثم في كتاب المناظر من القوانين والتجارب الفيزيائية في البصريات وألف في ذلك كتابًا وذاعت هذه الأشياء في أوربا ذيوعًا كبيرًا ولا يعترف أكثر مؤرخي العلوم بما أثبته العرب من قوانين البصريات بل ينسبون ذلك كله إلى دكارت.
(2) ذكره Gilson في كتابه: تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط، ص 405.
(3) اسمه الكامل: Hermès or Philosophical inquiry concerning universal grammar: (1751 London,)




الفرنسيون (والنحاة الذين ساهموا في تحرير هذه الموسوعة) وغيرهم. أما التسمية الحديثة Science of language فهي ترجمة للعبارة العربية "علم اللسان" التي استعملها الفارابي ونقلت عن طريق الترجمة اللاتينية Scientia Lingue. واندفع هذا الميدان من جديد – بعد أن سادت البحوث في تحول اللغات التاريخي في القرن التاسع عشر – بشكل جديد تمامًا بداية من فردينان دي سوسور . واستخدمت لفظة Linguistique = علم اللسان أو اللسانيات لأول مرة في عام 1826م.
مفهوم العامل:
ظهر في القرن الثالث عشر الميلادي – لأول مرة في تاريخ أوربا – مفهوم العامل والعمل واستعمل في ذلك اللفظ اللاتيني REGERE ومعناه الأصلي هو التدبير والتحكم في الشيء، وطبق على الفعل الذي جُعل هو السبب في ظهور الإعراب. يقول بطرس هلياس الفرنسي (في الفرنسية

"Pierre Hélie" إن أهل زماننا من النحاة يقولون dictio regit dictionem : بينما كان يقول بريسيانو (النحوي) D.exigit.D :" فلا أرى بأسًا في هذا المصطلح الذي جاء من نُحاتنا فهو مجاز، له دلالة [فالعامل] بمنزلة القائد الذي يسير(regit)جيشًا فكذلك هو الفعل الذي يسير الرفع في التركيب"(1). ويقول من جهة أخرى: "العمل معناه أن تتحكم كلمة في كلمة أخرى في داخل تركيب حتى يكتمل هذا التركيب"(241).
(1) انظر : Notices et extraits:Thurot ص 74 و 239 أيضًا (باريس 1886).
(2) مصدره بالإنجليزية هو government ونعتقد أن تشومسكي أخذ هذا اللفظ في الوقت نفسه من مصطلحات النحو العبري (وهو منقول من النحو العربي) مع استئناسه بوجوده في كتب النحو الإنجليزي.
وكُتب لهذا المفهوم وهذا اللفظ بالذات النجاح الكامل، فقد اطرد استعماله في أكثر كتب النحو باللغات الأوربية، واستعمل بعضهم مرادفًا له وهو gobernare وكان معناه في ذلك الزمان (حتى الآن) "تسيير العامل للإقليم". وعند ظهور البنوية تُرك هذا المفهوم فأحياه من جديد، منذ عهد قريب جدًّا، تشومسكي وله تقريبًا نفس المعنى عنده(2).
فهذان اللفظان بهذا المعنى في النحو لا نجد لهما أثرًا إطلاقًا في أي كتاب نحو أو لغة ألف في أوربا قبل القرن الثالث عشر. والغريب أن العامل بهذا المعنى هو مفهوم مأنوس عند النحاة العرب، بل هو من مفاهيم النحو الأساسية(*). ولا ندري هل أخذ النحاة الغربيون هذا المفهوم من العرب؟ وإن حصل هذا فكيف كان ذلك؟ أمن كتب النحو المترجمة أم روجه أحد من درسوا العربية على أصحابها في مدارس الأندلس؟ أو صقلية من أولئك العلماء المترجمين أو غيرهم؟ ومهما كان فإن ترجمة Erpenius في بداية القرن السادس عشر للآجرومية استعملت فيها كلمة rectio للعمل وregens للعامل. وإن دل ذلك على شيء فهو أن المترجم الأوربي علم أنهما يدلان على مفهوم واحد.
المسند والمسند إليه:
يستعمل بطرس هلياس – السابق الذكر – لأول مـرة أيضًا – اللفظين

Supponi و Apponi وصارا فيما بعد Suppositum و Appositum للدلالة على المسند والمسند إليه ويقابلهما في المنطق الـ Subjectum و الـ Proedicatum وهما في الأصل لا في جميع الأحوال الموضوع المحمول في منطق أرسطو واستعارهما النحاة الرومانيون ولا يزال يستعملهما النحاة الغربيون بهذا المعنى إلى يومنا هذا. ويبدو أن نحاة القرن الثالث عشر رفضوا الخلط بين المفهوم المنطقي وبالمفهوم اللغوي المحض – الذي يتمثل في المصطلح العربي المسند والمسند إليه (وظهر لأول مرة عند سيبويه). فمن المنظور المنطقي هو الحكم الذي محكه الصدق أو الكذب ومن المنظور اللغوي هو الخطاب الذي يصلح للبيان والإفادة ليس إلا. وربما أداهم ذلك إلى تبني المفهومين العربيين ونرجح ذلك لأن الكلمتين اللاتينيتين الأوليين معناهما المعتمد والمعتمد عليه ولا تعنيان – وكـذلك
(*) وهو أهم عنصر في النظرية الخليلية الحديثة وصاغها المهندسون لاستثمارها في الحاسوب.
المسند والمسند إليه – أن حكمًا حمل على موضوع فاحتمل الصدق أو الكذب ( وهذا يمكن أن يقال عن الجملة الخبرية فقط وليس بالضرورة).
2- مفاهيم لغوية عربية اقتبسها العلماء الغربيون في القرنين السادس عشر والتاسع عشر:
من أوائل العلماء الأوربيين الذين تأثروا بالنحو العربي مباشرة لا عن طريق الفلسفة – نذكر اللغوي الإسباني Sanctius (1). ويعرف بأنه كان واسع الاطلاع ولاسيما فيما يخص النحو العربي. وفي كتابه الأساسي المسمى بـ Minerva (2) في نحو اللغة اللاتينية قد أحاط حقيقة بكل المفاهيم الأساسية التي اطلع عليها في كتب النحو العربية التي راجت في زمانه وخاصة التقسيم الثلاثي للكلم، وتبنى هـذا التقســيم مـن النحـاة




الفرنسيين BuffierوDangeau. هذا ولم يشر سنكتيوس ولا مرة إلى أن التقسيم الثلاثي هو لأرسطو كما فعله الكثيرون في زماننا(3).
إن سنكتيوس هو أول من أدخل مفهوم الإضمار في النحو اللاتيني وسماه بالـ Ellipse. وحاول مثل النحاة العرب أن يعلل الكثير من العبارات المختصرة بتقدير ما هو محذوف. وبرع في ذلك وهو لا يتعسف في ذلك أبدًا؛ لأن الإضمار هو نتيجة لعملية خاصة وهي حمل العبارات بعضها على بعض ليكتشف البنية التي تجمعها إن وجدت. وقد تخرج بعض العبارات عن نظائرها ولا تطرد بسبب الحذوف لأسباب كثيرة كالاستخفاف وطرد الباب ورفع اللبس وغير ذلك مما ذكره العرب في كتبهم. وأخذ ذلك نحاة بورويال إلا أنهم تعسـفوا إذ كانـوا قد قرروا أن
(1) اسمه الكامل: F.Sanchez el-Brocense وهو غير الفيلسوف.
(2) نشر لأول مرة في 1887م وترجم إلى الإسبانية والفرنسية في السنين الأخيرة.
(3) أفضنا في ذلك في مقالنا الذي سبق أن ذكرناه. (لا يوجد عند أرسطو إلا الاسم والكلمة (في كتاب العبارة) ويذكر ثمانية أقسام في كتاب الشعر. وقالوا بأن القسم الذي خصصه لهذه الأقسام الأخيرة منحول وبعضهم قال إنه ناقص.



تكون جميع العبارات أيًّا كانت على نمط واحد ولو اقتضى ذلك التقدير غير المعقول، كل ذلك باسم المنطق والعقل(*). وتأثر أيضًا بهذا المذهب النحوي الفرنسي المشهور Dumarsais الذي حرر الكثير من المقالات في "الموسوعة" في القرن الثامن عشر.
واقتضى ذلك أن يستعير سنكتيوس من النحاة بالضرورة مفهوم القرينة المقالية والحالية إذ لا يمكن كما صرح بذلك كل النحاة أن يحدث أي حذف وأي إضمار إلا ومعه سياق أو حال يرتفع به اللبس ( Situation or Context) .
ثالثًا- تأثير النحو العربي على علماء القرن التاسع عشر عن طريق أستاذ هذا الجيل منهم: وهو Sylvestre de Sacy (المتوفى في 1838م):
بدأت الدراسات الخاصة باللغة العربية في الجامعات الأوربية في القرن السادس عشر فترجمت بعض

المختصرات النحوية كالآجرومية والكافية لابن الحاجب وغيرهما واستمر ذلك حتى ظهر أحد كبار المستشرقين الذين أنتجوا كثيرًا من الدراسات في اللغة العربية وهو Sylvestre de Sacy الفرنسي الذي عاش في بداية القرن التاسع عشر. واشتهر هذا الرجل الفذ بحيث نزح إليه الكثير من الطلبة من الألمان ومن خارج فرنسا وكان معه عالم آخر اسمه Chézy تتلمذ عليهما جماعة ممن صاروا بعدهما من عمالقة التفكير اللغوي الأوربي. ونذكر منهم فون هومبولت Von Humbolt والأخوين جريم Grimm وفريدريك شلجل. وهم من مؤسسي اللسانيات الأوربية.
وقد أطلع دي ساسي هؤلاء على الكثير من المفاهيم التي لم تكن معروفة وذلك مثل المادة الأصلية التي سموها جذر الكلمة. فهذا كان مجهولاً تمامًا عند علماء الغرب قبل القرن التاسع عشر. وصرح بعضهم
(*) ورد عليهم بعنف اللغويون البنويون فبالغوا في هذا الرد فألغوا التقدير وأخرجوه من جملة أدواتهم العقلية.
أنهم وجدوا هذا المفهوم عند علماء الهنود القدامى، ويكون هذا صحيحًا بالنسبة إلى بعضهم إلا أن هذا الجذر قد عرف قبل أن تترجم وتنشر الكتب الهندية (في وسط القرن التاسع عشر وبعده).
وقد اشتهر عند هؤلاء العلماء مفهوم الجذر فراحوا يحللون الكلم إلى جذور ولواصق (affixes) . وعرفوا أيضًا مثال الكلمة (وزنها وبناءها) ولم ينتبهوا إلى أهميته العظيمة كما لم يتفطنوا إلى أنه ناتج عن تحليل رياضي يحتاج إلى أن تجرد الوحدات ويرمز إليها برموز مثل (ف/ع/ل) في العربية ثم أضف إلى هذا أن التحليل عندهم منذ أقدم الأزمنة هو تحليل تقطيعي فقط، فيجب أن يُفضي إلى قطع صوتية محسوسة لا مجردة. وإلى الآن تجهل اللسانيات الغربية ما "للمثال" العربي من قيمة ابستمولوجية عظيمة كما يجهل الكثير من معاصرينا أن المثال يوجد أيضًا في مستوى الجملة وليس خاصًّا بالكلم.
هذا واهتم العلماء الألمان كثيرًا بعد دراستهم على دي ساسي وعلى من تتلمذ عليه من شيوخهم بالنحو العربي وبما كتبه علماؤنا في الصوتيات خاصة. ونذكر ههنا البعض منهم:
1- Ernst Brucke (ابتداء من1849م): تطرق في كتابه: Grundzuge der Physiologie und Systematic der Sprachlaute إلى ما قاله عن النظام الصوتي في لغتهم كل من اليونان والهنود والعرب. وله أيضًا دراسة عن الأصوات في العربية: Beitrage zur Lautlehre der arabischen Sprache (1960م).
2- Czermak: له دراسات في الصوتيات المخبرية هامة.
3- Wallin: ترجم إلى الألمانية نصوصًا خاصة بأصوات العربية. وترجم إلى الألمانية أيضًا عدة نصوص من كتب القراءات، وكليات أبي البقاء وغيرهما. وعلَّق عليهما وذلك في دراسة: Uber die Laute des
Arabischen und ihre Bezeischnung in L.D.M.G,1855,p.1-69,p.599-665.
4- R.Lepsius : اهتم أيضًا بصوتيات العربية ولـه: Uber die Arabischen Sprachlaute und deren Unschrift, (1861م).
هذا ولم يعرف القدامى من علماء اليونان ولا الرومان ولا أوربا حتى نهاية القرن التاسع عشر معنى المجهور والمهموس كما استغلقت على أفهامهم بعض المصطلحات الصوتية العربية وكانت غريبة على الثقافة الغربية قديمًا وحديثًا (حتى على هؤلاء الذين ذكرناهم).
قال ماتسون (Mattson) في كتابه عن لهجة بيروت(1911م): "في وقت متأخر تحصل علماؤنا في المشرقيات على المعلومات الصوتية التي كانت تنقصهم فاستطاعوا أن يفهموا في الأقل ما كان العرب قد لاحظوه وأثبتوه، وكان العرب قد أصابوا في معظم ما قالوه: (ص10). وذكر ماتسون دي ساسي الذي لم يدرك شيئًا من التقسيمات الصوتية العربية

وقد منع ساسي وبعض من جاء بعده من فهم هذه الأشياء وما ورثوه من الصوتيات اليونانية فكان كالحجاب على عقولهم وعلى أذهانهم وكيف كان يمكن أن يميزوا بين المجهور والمهموس وهم لا يعرفون أن هذا يحصل في "أقصى الحلق" بوجود "صوت الصدر" (*) (اهتزازات الأوتار) ( وقد اسـتغلق ذلك إلى الآن على زملائنا) وأقر الغربيون ذلك التمييز نهائيًّا يوم تمكنوا من مشاهدة هذا الاهتزاز في المختبرات الصوتية في نهاية القرن العشرين.
(*) بيَّنا في بحث لنا سابق أن المقصود من الصدر أو أقصى الصدر هو مستوى أقصى الحلق كما هو عند قدامى الأطباء العرب (راجع مقالنا "تعال نحي علم الخليل" الذي قدمناه في 2000م في مؤتمر المجمع. وينطبق هذا أيضًا في الوقت الراهن على مفاهيم خاصة بعلماء العرب ولا مقابل لها أبدًا في الصوتيات الحديثة، وهو مفهوم المتحرك والساكن، وحرف المدّ وامتناع الابتداء بالساكن، وكون العين حرفًا بينيًّا، وغير ذلك، وقد حاولنا أن نبرهن على صحة كل هذه المفاهيم بالاختبار بالأجهزة الحديثة.
رابعًا- تأثير اللسانيات الغربية الحديثة في التفكير العلمي العربي:
اكتشف الباحثون العرب المحدثون ما جدّ من جديد في ميدان البحث اللغوي في الغرب منذ زمان غير بعيد، وذلك بما أوفد إلى هذه البلدان من وفود طلابية أو باتصال مباشر، في المغرب العربي خاصة.
وأول ما حصل هو في وقت ازدهار المذهب اللغوي المسمى بالبنوية ( Structuralism). وكان الذين أخذوا عن الأساتذة الغربيين قد أبهرهم هذا المذهب إلى حد بعيد (حتى أبطل الكثير منهم كل ما وصل إلينا من أسلافنا حتى من المبدعين منهم) وذلك مثل نقضهم المعيار حتى كظاهرة واعتماد الوصف وحده وبالتالي رفض العلة والتعليل. ثم حاول بعضهم أن يطبقوا مفاهيم البنوية ومناهجها على العربية كما هي دون أي نظر أو نقد أو تمحيص سابق. ثم مضى زمان حتى ظهر مذهب جديد ألا وهو النحو التوليدي التحويلي فتحمس بعضهم له وراحوا يطبقونه - كما أخذوه - على العربية ثم ظهرت مذاهب مختلفة منها الوظيفية الحديثة(وأحد زعمائها: Dick الهولندي) فحصل مثل ما حصل في السابق. والذي يؤاخذ على هؤلاء ليس هو الاقتباس من غيرهم، فهذا جائز ومرغوب فيه، بل الاقتباس بدون نظر وبدون تمحيص والارتياح الكامل لأي مذهب أو موضة تظهر في الغرب والاقتناع الراسخ أن ما مضى عليه زمان فلابد أن يكون غير ذي قيمة في جملته، وهذا خضوع تام للإيجابية الأوربية القائلة بأن العلم هو هذا الذي تمارسه أوربا وحدها منذ أول نهضتها؛ لأنه إيجابي أي غير ميتافيزيقي يعتمد على ظاهرة الحواس. وهيهات أن تكون العلوم في هذه البلدان نفسها على هذا الشكل الساذج كما تصورته الإيجابية ( Positivism ).
الجانب الإيجابي لنظريات اللسانيات الحديثة:
أثبت العلماء الألمان في القرن التاسع عشر ثم سوسور ونظراؤه أن الظواهر اللغوية كأي ظواهر يمكن أن تدرس دراسة علمية موضوعية، وأن الألسنة البشرية مثل كل الظواهر تتحول من حال إلى حال عبر الزمان حتى تصير ألسنة أخرى، وأن لهذه التحولات الزمانية قوانين صارمة، ثم أثبتوا بعد ذلك أن الألسنة يجب أن تدرس أيضًا في حد ذاتها، أي من حيث هي أدوات للاتصال والتبليغ، وأن لكل واحد منها نظامًا من الرموز الصوتية خاصًّا بها، ونظامًا من الدوال المفردة والمركبة يجب أن يحلل تحليلاً موضوعيًّا لا لغرض التعليم بل من أجل اكتشاف أوصافه وخصائصه. فتبين للناس حينئذٍ أن دراسة اللغات ليس الغرض منها بالضرورة اكتساب القدرة على استعمالها بل أيضًا الكشف عن أسرارها في ذاتها. وكثرت - على هذا - الدراسات والبحوث في أكثر اللغات البشرية من حيث هي ظواهر تستحق الدراسة العلمية لا لغرض آخر غير تحصيل العلم النظري لا المهارة فقط وذلك بالتحليل الدقيق الخاضع لمقاييس معينة. فهذا كله إيجابي جدًّا على الرغم من المذاهب الكثيرة المتشعبة التي ظهرت بعد سوسور في كيفية تناول هذه الدراسة العلمية واشتد الاختلاف فيها بسبب اختلاف التصور لماهية اللغة: هل يبنى التحليل كله على كون اللغة أداة تبليغ أو هناك أوصاف أخرى للغة عميقة لا يمكن أن يتغافل عنها؟ وهل يجوز لنا أن نكتفي بالوصف لنظامها الباطني؟ بل هل هذا النظام هو مجرد نظام تقابل بين الوحدات؟ وألا يجب أن نعتد بمعيار اللغة كظاهرة وكآلية اجتماعية ينتظم عليها استعمالها إذ لا توجد لغة في الدنيا دون معيار معين؟ وغير ذلك. فكل هذا مفيد لأنه سيؤدي بنا إلى تصور موضوعي للغة. ولكل هذا أيضًا تطبيقات كثيرة في ميدان تعليم اللغات وأمراض الكلام والعلاج الآلي للغة.
وفيما يخص هذا العلاج الآلي للغة فقد نشأت منذ عهد غير بعيد تكنولوجيا خاصة باللغة منذ أن صار العلماء والمهندسون يستعينون بالحاسوب في تحليل اللغة، ولهذا الميدان خصوبة عجيبة إذ لا يزال يأتينا أصحابه بمعلومات جديدة قد لا يستطيع اللغوي أن يحصل عليها هو وحده(*).
الخاتمة:
لقد حصل تأثير متبادل واسع في ميدان النظريـات اللغـوية ومناهجها














التحليلية بين الحضارتين العربية والغربية منذ زمان بعيد كما رأيناه، إلا أن معرفة ذلك تحتاج إلى أن يتفرغ لها وينكب على دراسة هذا التأثير كل من يهتم بذلك. ويجدر بنا أن نقول إن الكثير من المفاهيم العربية اللغوية تحتاج إلى أن ينظر فيها بجدّ وبموضوعية، ولاسيما تلك التي لا تزال غامضة عند الكثير من الباحثين، ونأمل أن تتضافر الجهود للحصول على تجديد كامل للسانيات العربية إن شاء الله.
عبد الرحمن الحاج صالح
عضو المجمع المراسل
(*) والمدرسة الخليلية الحديثة التي سبق أن ذكرناها تتكون من هؤلاء اللغويين والمهندسين العرب الذين يحاولون أن يحيوا "علم الخليل" بقراءة جديدة لما تركه نحاتنا الأولون ويحاولون صياغة النظرية لاستثمارها على الحاسوب.من الجزائر

الأربعاء، يوليو 08، 2009

الفكر اللساني التربوي في التراث العربي
مقدمة ابن خلدون نموذجا
إعداد : الأستاذ محمد صاري
جامعة عنابة

1 - مقدمة :
لم تحظ أية لغة في الدنيا منذ أن خلق الله الإنسان بما حظيت به اللغة العربية من العناية حيث قام أصحابها - وخاصة اللغويون منهم وأهل الأداء - بالتحريات الميدانية الواسعة النطاق للحصول على أكبر مدونة شاهدها تاريخ العلوم اللغوية . فدونوا مفرداتها وتراكيبها وأمثالها وعباراتها ، مطردها وشاذها ، ثم وصفوا كل ذلك بدقة متناهية ، واستنبطوا القوانين العامة التي تخضع لها ، وغير ذلك مما أعجب به علماء اللسانيات الغربيون في زماننا (1) .
ومن أعظم ما تركه أسلافنا " علم النحو " ، ميزان اللغة ، والمدخل إلى العلوم العربية والإسلامية (2) . فليس من شك في أن التراث النحوي والصرفي الذي استنبطه العلماء العرب نفيس غاية النفاسة ، وأن الجهد الذي بذلوه فيهما خلال الأزمان المتعاقبة جهد لم يهيأ للكثير من العلوم المختلفة في عصورها القديمة والحديثة . وإنه ما زال وسيبقى ينتزع إعجاب الباحثين العرب والأجانب على حد سواء . فهو - كما يقر غير أبناء العربية - » أثر رائع من آثار العقل العربي بما فيه من دقة في الملاحظة ، ونشاط في جمع ما تفرق ، وهو لهذا يحمل المتأمل فيه على تقديره ، ويحق للعرب أن يفخروا به« (3).

2 - أصالة النحو العربي في القرون الأولى للهجرة :
ومن الثابت أن النحو العربي مرّ كبقية العلوم بقانون النشوء والارتقاء ، فنشأ بسيطا ضعيفا ، ثم أخذ يتدرج في النمو والقوة والاستكمال ، فانتقل على أيدي أئمته كعبد الله بن أبي إسحاق ( ت 117 هـ ) ، والخليل بن أحمد ( ت 175 هـ ) ، وسيبويه ( ت 180 هـ ) ، والكسائي ( ت 189 هـ ) ، والفراء ( ت 207 هـ ) (4) ، ونظرائهم من الأعلام من ضوابط بسيطة يقيم بها المعربون ألسنتهم - بعد أن تفشى اللحن وضاعت السليقة - إلى علم دقيق متطور يدرس لذاته (5) .
لقد أرسى "الخليل" وتلميذه الفذّ "سيبويه" أمورا صارت مسلمات أو شبه مسلمات . فمن ينعم النظر في "الكتاب" يدرك في وضوح أصالة النحو العربي عند النحاة الأوائل الذين عاشوا في الصدر الأول من الإسلام . ومن أهم الحقائق التي تدل على فكر أصيل ، وتصور دقيق ، وفهم عميق لطبيعة بناء هذا العلم - عند أولئك النحاة - تلك الأسس والأصول التي قام عليها ، نذكر منها على سبيل المثال : مفهوم العامل ، ومفهوم الحد والمثال ، ومفهوم الاستقامة ، ومفهوم القياس والسماع ، ومفهوم العلة ، ومفهوم الأصل والفرع(6) .. وغيرها من المفاهيم التي اكتشفوها من خلال استنطاق النصوص والاتصال المباشر بالواقع اللغوي . فهي مفاهيم تبين في وضوح لا يقبل الشك أن للنحو العربي عند "سيبويه" وشيوخه وتلاميذه منطق ، ولكنه منطق رياضي خاص(7) مسلوخ من روح العربية ، وأن وجود هذا الأثر المنطقي دليل على مكانة الجانب العقلي فيه ، وهو جانب كان موجودا إلى الجانب النقلي . وقد صار هذا الجانب ضروريا في البحث اللغوي الحديث ، لا سيما عند التحويليين ؛ لأنه أداة أصيلة من أدوات بناء العلم ، بدونه يتحول النحو إلى مجرد جمع وتصنيف (8) .
ونحن على مسار البحث عن نظرية الفكر اللساني التربوي في اللغة نتساءل هل تسنى لنظرية العرب في اللغة أن تنفذ إلى خصائص الظاهرة اللسانية بالاعتماد على ملابسات اقتنائها وطريقة تحصيلها ؟
إن نظريات النحاة العرب الأولين تكتسي أهمية كبيرة ، وهذا ليس من حيث إنها ما تزال ذات قيمة كبيرة من الناحية العلمية ، بل من حيث إنها يمكن أن تستغل مفاهيمها في الميدان التطبيقي كالمعالجة الآلية للنصوص وتركيب الكلام الاصطناعي واللسانيات التربوية(9).

3 - اللسانيات التربوية :
تعد اللسانيات التربوية ثمرة اللقاء بين اللسانيات وعلم التربية . فموضوع اللسانيات التربوية هو الإفادة من حقائق اللسانيات العامة بمناهجها ونتائج دراساتها وتطبيق ذلك كله في مجال تعليمية اللغات(10) didactique des langues ؛ أي أنها تستغل معطيات اللسانيات العامة وفروعها الخاصة ، وما وصلت إليه بحوثها من حقائق ثابتة لحل مشكلات تربوية ميدانية .
فاللسانيات التربوية حقل تعاوني ما انفكت أطرافه تترامى بتعدد أبعاده ، إذ تتفرع مجالات الاهتمام فيه تبعا لمقاييس الزمن والمادة والموضوع(11)، فهي من أهم سياقات اللسانيات التطبيقية عامة .
ومن أهم المشكلات التي تتعرض لها اللسانيات التربوية هي البحث الموضوعي في الصعوبات اللغوية التربوية: ماذا يجب أن نعلم من اللغة ؟ وكيف يجب أن نعلمه ؟ وبمعنى آخر أنها تنظر في المحتوى اللغوي الذي يقدم للمتعلم من حيث الكم والكيف، كما تنظر في محتوى الطريقة أو الطرق التي تستعمل لتبليغ هذا المحتوى ، وفي تأدية المعلم لهذه الطريقة وكيفية تطبيقه لها (12) .
لقد بذل العلماء العرب جهودا مضنية في تتبع النصوص واستقصائها ، وإعمال الفكر واستخراج القاعدة النحوية . وليس يدري أحد مقدار الجهود التي بذلت في استنباط قاعدة نحوية يعرفها أطفال المدارس اليوم . وهذا الإبداع من أهم ما يجيبنا به موروث الحضارة العربية الإسلامية في قضية معرفة الكيفيات المرتبة لسنن الكلام . وللإشارة ، فإن البحث في هذه الكيفيات وسبل تحصيلها يعد من صميم اللسانيات التربوية .
فمما لا شك فيه أن مادتي النحو والصرف تشكلان جزءا رئيسا في قضايا اللسانيات التربوية بشكل عام ، ويعتبر هذا الجزء من أعقد العناصر اللغوية وأصعبها في مناهج اللغة العربية . ولعل جزءا كبيرا من ذلك التعقيد والصعوبة تعود إلى سوء استغلال القواعد النحوية من قبل المربين والمعلمين ، وفهمهم القاصر والمحدود لمستوياتها وطبيعة أهدافها ، أو المبالغة الكبيرة في فهمها والتركيز عليها عند تعليمهم للغة ؛ فكثيرا ما يتم تعليمها بعيدا عن الغاية المقصودة .
إن اللسانيات التربوية واجهت على مر العصور مشكلات عديدة ، وما زالت تواجهها لعل من أهمها الافتقار إلى مادة نحوية تعليمية مناسبة ، يتم إعدادها للمتعلمين وعرضها عليهم في ضوء مجموعة من المقاييس الموضوعية ، منها ما يختص بطبيعة المعرفة التي تعد لها هذه المادة ، ومنها ما يختص بالدارسين الذين يستخدمونها . ومن يستنطق نصوص التراث يكشف عن كثير من الأقوال والأعمال التي اهتمت بجانب أو جوانب من اللسانيات التربوية. والذي يهمنا من هذه الجوانب هو المحتوى النحوي المدرس قديما وحديثا ، وآراء العلماء في كيفية انتقائه وطريقة عرضه وتثبيته في أذهان المتعلمين .
لقد أدرك بعض النحاة واللغويين القدامى ضرورة وجود مستوى من المؤلفات النحوية المختصرة والميسرة ، كما تنبه بعضهم إلى ضرورة التمييز بين وظيفة بحث ما في النحو من مشكلات ، وبين وظيفة تعليم النحو لبعض المستويات (13) . وأول ما يتقرر لدينا في هذا المجال قول الجاحظ ( ت 255 هـ ) في بعض رسائله : » وأما النحو فلا تشغل قبله [ أي الطفل ] منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن ، ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه وشعر إن أنشده ، وشيء إن وصفه . وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به . ومذهل عما هو أردّ عليه منه ، من رواية المثل والشاهد والخبر الصادق والتعبير البارع . وإنما يرغب في بلوغ غايته ، ومجاوزة الاقتصاد فيه من لا يحتاج إلى تعرف جسيمات الأمور ، والاستنباط لغوامض التدبير ، ولمصالح العباد والبلاد [...] ومن ليس له حظ غيره ولا معاش سواه ، وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطر إليه شيء« (14) .
فالجاحظ يدعو إلى تعليم الناشئة النحو الوظيفي الذي يجري في المعاملات ، فالغاية من تعليم النحو - في نظره - هي إصلاح اللسان والقلم في كتاب يكتب أو شعر ينشد أو خطبة تلقى أو رسالة تؤلف .
وضمنيا ، يستفاد من كلام الجاحظ أنها دعوة صريحة إلى ضرورة التمييز بين النحو كعلم والنحو كتعليم ، أو قل بين مستويين من مستويات النحو :
1 - مستوى نظري تخصصي ، وينبغي أن يكون مجردا عميقا يدرس لذاته وتلك طبيعته. وهذا المستوى من النحو يعدّ نشاطا قائما برأسه ، أهدافه القريبة الخاصة به هي الاكتشاف المستمر والخلق والإبداع . وهذا هو الأساس والمنطلق في وضع نحو تعليمي تراعى فيه قوانين علم التدريس .
2 - مستوى ثان تعليمي وظيفي نافع لتقويم اللسان وسلامة الخطاب وأداء الغرض وترجمة الحاجة . ومن الفضول الذي لا خير فيه أن يتعمق من كانت هذه غايته في جزئيات النحو ، وأن يتورط أو يورَّط في أصوله ، ويتيه في شعاب قضاياه (15) . فالنحو العلمي شيء والنحو التعليمي شيء آخر .
فما النحو إلا وسيلة لضبط الكلام وصحة النطق والكتابة ، هذه غايته التعليمية التي أقرها العلماء : » النحو هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه ، من إعراب وغيره كالتثنية والجمع ، والتحقير والتكسير ، والإضافة والنسب والتركيب ، وغير ذلك ، ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم ، وإن شذ بعضهم عنها ردّ به إليها« (16) . إن النحو عند ابن جني ( ت 392 هـ ) أداء لغوي فائدته الوصول إلى التكلم بكلام العرب على الحقيقة صوابا غبر مبدل ومغير .
وإن الاعتبار - في نظم الكلام - يكون بمعرفة مدلول العبارات لا بمعرفة العبارات . فلو كان النظم يكمن في معاني النحو - كما يقول عبد القاهر الجرجاني ( ت 471 هـ ) - »لكان البدوي الذي لم يسمع بالنحو قط ، ولم يعرف المبتدأ والخبر وشيئا مما يذكرونه لا يتأتى له نظم الكلام . وإنا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا يحسنه المتقدم في النحو . قيل إن الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات لا بمعرفة العبارات . فإذا عرف البدوي الفرق بين أن يقول : "جاءني زيد راكبا" ، وبين قوله : "جاءني زيد الراكب" ، لم يضره ألا يعرف أنه إذا قال: راكبا كانت عبارة النحويين فيه أن يقولوا في "راكب" أنه حال ، وإذا قال " الراكب" أنه صفة جارية على زيد« (17) .
فعلا ، لقد أكدت اللسانيات التربوية ما ذهب إليه " عبد القاهر " و" ابن جني " ، حيث رفضت رفضا باتا ، بناء تعليمية اللغات على القواعد النظرية الصرفة ، ونادت بتوجيه الجهود إلى تمرين المتعلمين على اكتساب اللغة من خلال أنماط ومثل لغوية حية يجري تعلمها الواحدة تلو الأخرى ؛ لأن اكتساب لغة ما يعني اكتساب آليات لا شعورية ، وهذا ما يسميه المختصون في تعليمية اللغات بالنحو الضمني (18) .
4 - ابن خلدون وقضايا التحصيل اللغوي :
اشتهر " عبد الرحمن بن خلدون " ( ت 808 هـ ) عند عامة الناس بأنه أرسى قواعد فلسفة التاريخ . وكثيرا ما يذكر في الكتب الحديثة بأنه منشئ علم الاجتماع العمراني ، وهذا اعتراف بجزء مما أبدعه الرجل .
" فابن خلدون " يجهل قدره كثير من الناس ، بل إنهم يعرفونه على أنه عالم اجتماع ليس إلا . ولكن هناك من اللسانيين من يجد في المقدمة مخزونا من الاستطرادات الثرية التي تدل على جملة من الأفكار اللسانية التربوية التي لا تقل أهمية عما توصل إليه البحث اللساني واللساني التطبيقي عند الغربيين (19) . ومن أهم هذه الأفكار ما يلي :
4 - 1 - التدرج في عرض المادة والتركيز على المتعلم باعتباره جوهر العملية التعليمية :
لقد نفذ "ابن خلدون" بحس دقيق كاد ينفرد به ، وذلك عند تناوله لقضايا التحصيل عامة واكتساب الملكة اللغوية خاصة ؛ إذ حظيت كثير من القضايا اللغوية في مقدمته " كتاب العبر بالفحص والتحليل ، فراح يستكشف حقائقها ويستقصي تقلباتها مستكنها ظواهرها الخفية .
وأول ما يتقرر لديه في هذا الشأن حديثه عن الطريقة الناجعة لتعليم العلوم عامة ، حيث يرى أن تعليم العلوم للمتعلمين » يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا . يلقى عليه [ المتعلم ] أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يورد عليه« (20) .
ومعنى ذلك أن الابتعاد عن التعقيد والالتزام بمبدأ التدرج في عرض المادة المدرسة : من البسيط إلى المعقد ، ومن السهل إلى الصعب ، ومن العام إلى الخاص ، وكذا الانطلاق من حاجات المتعلمين ورغباتهم واستعداداتهم هو الوجه الصواب لتعليم العلوم . وهذا ما تقره اللسانيات التربوية الحديثة .
وبعد أن يقيم ابن خلدون تصورا للطريقة الناجعة في تعليم العلوم يتناول - بالنقد والتحليل - طرائق التعليم السائدة في عصره ، وكيفية تأدية المعلمين لها . فهي - في نظره - طريقة تقليدية بالية ، قليلة الجدوى ، عديمة الفائدة تنفر ولا تشوق ، هذا هو واقع التعليم في عصر ابن خلدون : » وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق هذا التعليم وإفادته ، ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ، يطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ، ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله فيخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها ، وقبل ، يستعد لفهمها [...] وإذا خلط عليه الأمر عجز عن الفهم ، وأدركه الكلل ، ويئس من التحصيل وهجر العلم والتعليم« (21) .
إن التحريات الميدانية ، أو ما يسمى بنقل المعاينة بمصطلح ابن خلدون تنم عن بصيرة وفكر تربويين عميقين عند صاحب المقدمة . فالجهل بطرائق التعليم - كما توحي بذلك أقواله - سبب خطير في تدهور التدريس ونفور المتعلمين ، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإنه على قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في حصول الملكة .
هذه بعض الأفكار التي يتحدث فيها " ابن خلدون " عن جوهر العملية التعليمية المتمثل في المعلم والمتعلم والمادة والطريقة . أما بالنسبة لتعليم الملكة اللغوية ، فإن أهم ما يتقرر لديه في هذا الشأن ما يلي :
أ - السمع أبو الملكات اللسانية .
ب - دراسة القواعد لذاتها سبب خطير في ضعف التحصيل .
ج - تمييز ملكة اللغة عن صناعتها .
د - تحديده اللغة بأنها ملكة في اللسان .
أ - السمع أبو الملكات اللسانية (22) :
لم تعد اللغة في زماننا تعلم باعتبارها ظاهرة مكتوبة ، بل باعتبارها ظاهرة صوتية منطوقة في المقام الأول . ولذا ، فإن الاهتمام بالنطق والحديث يحتل مقاما خاصا في تعليمية اللغات الحديثة ؛ لأنه الأصل ، أما الكتابة فهي ظاهرة تابعة له . فالواقع يثبت أن الإنسان يتكلم قبل أن يكتب ، ويسمع قبل أن يتكلم .
ومن المبادئ اللسانية التربوية التي أقرها ابن خلدون ونبه على أهميتها في حصول الملكة اللغوية مبدأ السماع ((audition ، والانغماس (immersion) أو ما يسمى عند جمهور اللسانيين التطبيقيين بـ " الحمام اللغوي " (bain linguistique) . فأبو الملكات اللسانية - في نظره - هو السمع والإنصات ، والشيء الذي يعين المتعلم على فتق لسانه بالمحاورة والكلام والمناظرة هو الانغماس الكلي في وسط لغوي عفوي ، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرماها ، وهكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال . هذه فكرة نلمسها عند ابن خلدون في معرض تفسيره لقول العامة أن اللغة للعرب بالطبع ، حيث يقول : » فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها [...] ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم ، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم« (23) .
وهكذا يتركز على يد ابن خلدون أن خروج الأشياء من القوة إلى الفعل لا يكون دفعة واحدة ، فلا بد لها من زمان وتكرار مرة بعد أخرى ، أي لا بد لها من ارتياض ومعاودة .
ب - دراسة القواعد لذاتها سبب خطير في ضعف التحصيل :
يرى ابن خلدون أن العلوم تنقسم إلى قسمين : علوم غايات وأخرى وسائل لهذه الغايات . وعلم النحو - في نظره - فرض كفاية لا فرض عين . فهو من صميم العلوم الآلية التي ينبغي ألا توسع فيها الأنظار ولا تفرع فيها المسائل . ولذا دعا المعلمين لهذه العلوم إلى ألا يستبحروا في شأنها ولا يستكثروا من مسائلها ؛ لأن ذلك يخرجها عن المقصود ، فيصير الاشتغال بها لغوا » ... وهذا كما فعله المتأخرون في صناعة النحو [...] لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها نقلا واستدلالا ، وأكثروا من التفاريع والمسائل بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها مقصودة لذاتها . وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة بالذات فتكون لأجل ذلك من نوع اللغو ، وهي مضرة أيضا بالمتعلمين على الإطلاق« (24) . وعليه ، فإن النحو التعليمي ليس غاية في حد ذاته ، بل هو وسيلة مساعدة لاكتساب الملكة اللغوية ، وينبغي أن يدرس على هذا الأساس .
ج - تمييز ملكة اللغة عن صناعتها :
يميز اللسانيون بين نوعين من المعلومات اللغوية : المعلومات الخاصة بالملكة والمعلومات الخاصة بالصناعة. فالنوع الأخير هو اللغة كنظام وعلم مجرد وقوانين . ويمثل هذا النوع جانب البحث ، والبحث اللغوي هو من وظيفة العالم بأسرار اللسان . أما النوع الثاني فهو اللغة كإنجاز أو تحقق فعلي في صورة كلام أو كتابة، ويمثل هذا النوع جانب الاستعمال، واستعمال اللغة هو وظيفة المتكلم . ومعرفة العالم بأسرارها معرفة نظرية ، في حين أن معرفة المتكلم لها معرفة عملية (25) .
لقد نبه "ابن خلدون" المربين والمعلمين إلى ضرورة التمييز بين هذين المستويين : اللغة كملكة واللغة كصناعة . ففصل بدقة بينهما في قوله : » إن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم ، والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة . فهو علم بكيفية لا نفس كيفية . فليست نفس الملكة ، وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما ولا يحكمها عملا« (26) .
إن جهل كثير من المربين والمعلمين بهذين المستويين ( اللغة كملكة واللغة كصناعة ) هو الذي أدى إلى تركيزهم على الصورة النظرية البحتة . وعليه ، فإن الحقيقة التي يمكن استنباطها من خلال كلام ابن خلدون هي : على المعلم أن يعلم اللغة ذاتها لا أن يعلم معلومات عن اللغة ، لأن ملكة اللغة لا تحصل » بمعرفة القوانين العلمية التي استنبطها النحاة ، فإن هذه القوانين - كما يقول ابن خلدون - تفيد علما بذلك اللسان ، ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها« (27) .
د - تحديده اللغة بأنها ملكة في اللسان :
يرى اللسانيون أن المفردات اللغوية ليس لها معنى في الواقع إلا إذا أدمجت في نص وتعلقت بحال من أحوال الخطاب . ولذا فإن اكتساب الملكة اللغوية لا يتم من خلال استظهار مفرداتها ولا مصطلحاتها النحوية وحدودها الإجرائية ، ولكن من خلال القدرة على التحكم في تراكيبها وأنماطها ، مع مراعاة مقتضى الحال . وفي هذا الصدد ، يقول ابن خلدون : » اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها . وليس ذلك بالنظر إلى المفردات ، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب . فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ، ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال ، بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع ... والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال« (28) .
إن اللغة - عند ابن خلدون - مهارة تكتسب كما تكتسب أي صناعة من الصنائع أو مهارة من المهارات(29) ، عن طريق مبدأ الارتياض بالمعاودة والتكرار . فلا تحصل الملكة اللغوية بامتلاك المتعلم لألفاظها ومفرداتها ، ولكن بامتلاك وسيلة لترتيب هذه الألفاظ والتراكيب في مقامات لغوية مختلفة (30) .
بناء على هذا الرأي ، يمكن القول إن البدء بتدريس الجملة التامة ، والانطلاق من النصوص العفوية الطبيعية ، ورفض فكرة تقديم الاسم على الفعل أو الحرف أو العكس هو الوضع الطبيعي لاكتساب الملكة اللغوية ، وعليه فإن » أي نظرية في تعليم العربية للناطقين بها ابتداء ولغير الناطقين بها ستبقى ضعيفة المردود ما لم تنطلق من نظرية تركيبية تتخذ الجملة منطلقا لها« (31) .
هذا هو الاتجاه الحديث الذي يدعو إليه المختصون في تعليمية اللغات بشكل عام ، حيث يسعى أنصاره إلى عرض القواعد النحوية والصرفية على المتعلمين عرضا وظيفيا ، من خلال أنماط وتراكيب بنوية متدرجة في الصعوبة ، يكون الهدف منها ترسيخ قاعدة نحوية أو صرفية أو بلاغية معينة في ذهن المتعلم ، عن طريق حمله على القيام بسلسلة من التدريبات اللغوية المنظمة ، وبتكرار محكم ، حتى يصل المتعلم في لحظة من مراحل التعلم إلى تصور هيئات التركيب ومواقع المرفوعات والمنصوبات والمجرورات ، حسب ما تقتضيه المعاني بجهد بسيط ووقت أقل .
- الخاتمة :
إن الحقائق اللسانية التربوية التي وردت في بعض آراء النحاة واللغويين العرب عامة ، وفي مقدمة "ابن خلدون" خاصة لا تقل قيمة عن تلك المقاييس التي يراها اللسانيون التطبيقيون ضرورية في أية طريقة تعليمية تتصف بأدنى شيء من الجدية والنجاعة . فالأفكار اللسانية التربوية المبثوثة هنا وهناك في ثنايا مقدمة كتاب " العبر " كالتدرج ، والانتقاء ، والتخطيط ، والعرض ، والترسيخ ، والحاجات اللغوية ، والنحو الضمني ... وغيرها تستوجب التسليم - كما يقول أحد الباحثين (32) - بأن ابن خلدون فضلا على أنه فلسف علم الاجتماع ، واشتق علم العمران ، فإنه مهد للسانيات التربوية ؛ ففي مخزون " مقدمته " استطرادات ثرية عن نظرية التحصيل اللغوي ، وقد لا أكون مبالغا إذا قلت إن تلك الاستطرادات تحتاج إلى بحث مستفيض يستقصي جميع جوانبها .

- الهوامش :
1 - د . عبد الرحمن الحاج صالح ، اللغة العربية بين المشافهة والتحرير ، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة
2 - أجمع الأئمة من السلف والخلف على أن معرفة النحو شرط في رتبة الاجتهاد ، وأن المجتهد لو جمع كل العلوم لم يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يعلم " النحو " . فرتبة الاجتهاد متوقفة عليه لا تتم إلا به .
3 - عباس حسن ، النحو الوافي ، ج 1 ، ط 9 ، دار المعارف القاهرة ، ص 3 .
4 - يعتبر هؤلاء الأئمة لسانيين كبارا ، فـ " عبد الله بن أبي إسحاق " هو أول من بعج النحو ومدّ
القياس وشرح العلل ، والخليل هو مؤسس نظرية العامل ومخترع الشكل الذي ما زال يستعمل إلى يومنا هذا في الكتابة العربية ، وسيبويه هو واضع أول كتاب في علم النحو .
5 - المفتونون بالمنهج الوصفي يعتبرون النحو العربي نحوا معياريا لا نحوا علميا وصفيا ، ولكن اتصال
النحاة الأوائل بالواقع اللغوي أي الاستعمال يفند هذا الادعاء ويثبت أن النحو العربي بدأ وصفيا .
6 - انظر هذه المفاهيم عند د. عبد الرحمن الحاج صالح ، في بحثه المدرسة الخليلية الحديثة والدراسات اللسانية الحديثة في العالم العربي ، .
7 - د. عبد الرحمن الحاج صالح ، النحو العربي ومنطق أرسطو ، مجلة كلية الآداب ، جامعة الجزائر 1964 .
8 - لقد تفطن "تشومسكي" إلى مفهوم العامل النحوي ، كما تفطن إلى أهميته في المنهج التحويلي على صورة لا تبتعد كثيرا على تلك التي جاءت في النحو العربي ، انظر د. عبده الراجحي ، النحو العربي والدرس الحديث ، دار النهضة العربية ، بيروت 1986 ، ص 148 .
9 - د. عبد الرحمن الحاج صالح ، المدرسة الخليلية الحديثة والدراسات اللسانية الحديثة في العالم العربي.
10 - إن الوقت قد حان لأن يستنير معلم اللغات الحية بما تمده به اللسانيات من معارف عملية حول طبيعة الظاهرة اللغوية . فكما استطاعت اللسانيات الوصفية أن تزيل عددا من الأوهام الشائعة التي رددتها القرون الماضية حول اللغة ، نستطيع أن نسترشد بها لحل مشكلات لغوية تربوية كوضع البرامج وإصلاح القواعد وتبسيطها ، ورصد المفردات ... الخ .
11 - د. عبد السلام المسدي ، قضايا في العلم اللغوي ، الدار التونسية للنشر ، تونس 1994 ، ص 17 12 - د. عبد الرحمن الحاج صالح ، أثر اللسانيات في النهوض بمستوى مدرسي اللغة العربية ، مجلة اللسانيات ، العدد 4 ، ص 42 .
13 - لأن المقصود من تعليم النحو ليس إخراج كل المتعلمين علماء فيه .
14 - رسائل الجاحظ ، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، ج 3 ، ط 1 ، ص 38 .
15 - إن النحو التعليمي عند النحاة المتأخرين داخلته شوائب مغرقة في التكلف ومسرفة في التأويل انتهت به إلى حدود منطقية وتعليلات فلسفية وتقديرات وتأويلات تبتعد في كثير من الأحيان عن الواقع الحي للغة ، انظر د. شوقي ضيف ، تيسير النحو التعليمي قديما وحديثا مع نهج تجديده ، دار المعارف ،
ص 3 - 4 .
16 - ابن جني ، الخصائص ، تحقيق محمد علي النجار ، ج 1 ص 34 .
17 - عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ، تحقيق رشيد رضا ، ط 2 ص 320 - 321 .
18 - يميز المختصون في تعليمية اللغات بين نوعين من القواعد : القواعد النظرية الصريحة grammaire explicite ، والقواعد الضمنية grammaire implicite . ويرى أنصار الاتجاه الصريح أن تعليم أية لغة لا بد أن يتم من خلال عرض مباشر لقواعدها النظرية . أما أنصار الاتجاه الضمني ، فيعتقدون أن الوضع الطبيعي لتعلم اللغة هو عرضها بشكل غير مباشر ، وذلك بالتركيز على مثلها وأنماطها . والحقيقة أنه لا توجد مرحلة كلها صريحة وأخرى كلها ضمنية ، انظر مصطلحي explicite وimplicite في :
- R. Galisson , dictionnaire de didactique des langues, ed Hachette Paris 1976 .
19 - انظر د. عبد السلام المسدي ، التفكير اللساني في الحضارة العربية ، الدار التونسية للكتاب ، ط 2 ، تونس 1986 ، ص 208 - 237 .
20 - ابن خلدون ، المقدمة ، ج 2 ، الدار التونسية للنشر - المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر ، 1984 ص 695 .
21 - المرجع نفسه ، ص 295 - 296 .
22 - المرجع نفسه ، ص 713 .
23 - المرجع نفسه ، ص 723 .
24 - المرجع نفسه ، ص 700 .
25 - د. تمام حسان ، اللغة بين المعيارية والوصفية ، دار الثقافة ، الدار البيضاء ، ص 4 - 6 .
26 - ابن خلدون ، المقدمة ، ج 2 ص 729 .
27 - المرجع نفسه ، ص 731 .
28 - المرجع نفسه ، ص 722 .
29 - هذه الفكرة تشبه إلى حد كبير ما ذهب إليه البنويون السلوكيون المتأثرون بالمذهب السلوكي في علم النفس ، والذي يهتم بدراسة ظاهرة السلوك فقط ، على أساس أنه مكون من عادات يمكن اكتسابها الواحدة تلو الأخرى عن طريق المثير والاستجابة والتعزيز . انظر د. محمود أحمد السيد ، اللسانيات وتعليم اللغة ، ط 1 ، دار المعارف للطباعة والنشر ، سوسة - تونس 1998 ص 82 .
30 - T. Todorov , recherches sémantiques , dans Langage , n° 1 , mars 1966 .
31 - د. عبد السلام المسدي ، اللسانيات وأسسها المعرفية ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1986
ص 154 .
32 - د. عبد السلام المسدي ، قضايا في العلم اللغوي ، الدار التونسية للنشر ، تونس 1994 ، ص 192.
حوسبة اللغات :النظرية الخليلية الحديثة (نحو نمذجة النحو العربي)
1-مفهوم حوسبة اللغات:الهندسة فن التحكم في النظم، والحاسوب بشقيه العتادي والبرمجي يقوم على هذا التحكم.واللغة نظام معقد متشعب المسالك: كتابة وصوتا وصواتة، وصرفا وتركيبا ومعجما ودلالة وتداولا .لقد استطاع الباحثون في لغات غربية كثيرة وضع برامج حاسوبية لسانية طبقت فيه جميع الخوارميات الصورية التي تتعرفها الآلة، وهناك برامج كثيرة تجعل الحوار بين الإنسان الغربي والآلة ميسرا بلغته الطبيعية، نذكر منها: الترجمة الآلية والتوليف الصوتي والتعرف البصري على الحروف والمدقق النحوي والإملائي ...إلخ. إلا أن التطبيق على اللغة العربية ما يزال في بداية الطريق، هذا على الرغم من أن هذه اللغة لا تختلف عن أي لغة في العالم فيما يتعلق ببرنامج الكفاية اللسانية، وما تتميز به اللغة العربية عن غيرها يجب أن يدفع بها إلى مقدمة اللغات العالمي في التعامل مع الآلة، فهي تقوم على مكونين رياضيين هما الجذر والوزن، وهما معا غير موجودين في أغلب لغات العالم.يتولى الجذر وضع البنية الأساسية للكلمة، ويتولى الوزن وضع هيكلها العام، يقوم الوزن بتوزيع الحركات على مختلف حروف الكلمة كما يقوم بتوزيع المورفيمات التي تضاف إلى مكونات الجدر بغرض توليد الكلمات: (سوابق ولواحق وأواسط) هذا التشكيل الرياضي للغة العربية جعل منها لغة انصهارية Fusion، خلافا للغات الأخرى التي تعد لغات إلصاقية Ensemblist فيما يتعلق بتوزيع المورفيمات داخل بنية الكلمة الأساس. والقول بالانصهارية يؤدي حتما إلى القول بالطبيعية الرياضية الجبرية للغة العربية.أما الحركات التي تعادل Voyelles في اللغات اللاتينية فتوزيعها مقنن بواسطة خوارزميات التطابق بين الوزن والكلمة المنتجة، لذلك لا نضعها – نحن العرب - على الكلمات، لكننا نستطيع قراءتها بدون صعوبة، لأننا نقرأ لغتنا ونتكلمها بالأوزان وليس بالحركات، والمقصود هنا بالحركات تلك التي يتولى المحلل الصرفي الطبيعي توزيعها على الحرفين الأول والثاني من الكلمة في حالة الجذر الثلاثي، والحروف الثلاثة الأولى في حالة الجذر الرباعي، أما حركة لام الكلمة فيسند توزيعها للمحلل النحوي الذي يتعامل مع اللغة بوصفها منظومة من الوظائف الصورية التي لها نظامها الخاص بها..هكذا يبدو أن اللغة العربية لغة رياضية في أساسها مكونة من منظومة من الحوارزميات الصورية، دخلها الجذور مرورا بالأوزان التي تتمتع بقوة الإصهار المورفيمي المبرمج وخرجها الكلمات والجمل، وهي كما يلي:- يمثل الجذر دخل البرنامج اللغوي في كفاية المتكلم، في البداية يتم اختيار الجذر المراد تشغيله، (ثلاثي أو رباعي)، ثم تشرع الكفاية في تطبيق خوارزميات المطابقة بين مادة الجذر اللغوي والمادة الصورية (ف.ع.ل)، وفي مرحلة لاحقة يتم تفعيل الوزن/ الميزان عن طريق خوارزميات الإقحام التي تقوم بإدراج الزوائد (سوابق ولواحق وأواسط وحركات) في البنية النظرية للجذر بهدف توليد الكلمة، أما في مرحلة التحليل فإن العملية تكون معكوسة، إذ يتم تطبيق نوع آخر من الخوارزميات تتولى تحليل الكلمة إلى بنيتها الأساسية، أي الجذر. - لكل صيغة صرفية مقابل دلالي مخزن في الكفاية، وهذا المكون الدلالي الصرفي هو الذي يضمن ربط المستوى الصرفي بالمعجم والدلالة، وتؤمن ظاهرة الانصهار التي تنفرد بها اللغة العربية حرية الحركة للكلمات داخل الجملة، أما علاقة الصرف بالمستوى الصواتي فلا تحتاج إلى دليل، وخاصة فيما يتعلق بالأصول المعتلة. ونظرا لارتباط كل صيغة صرفية بدلالة محددة تنتظم على شكل حقول دلالية فقد أخذ الصرف نصيبا وافرا في باب الدلالة.- تتميز الجذور الثلاثية بمرونة واسعة في التحرك داخل البنية اللغوية، خلافا للجذور الرباعية والخماسية.- أما في مجال تركيب الجمل فإننا ننظر إلى الفعل فيها بوصفه دالة Fonction، وأما بقية العناصر فمتغيرات، وذلك كما يلي: P V (n1, n2 … nx)وقد بني المعجم الإلكتروني لتراكيب اللغة العربية على هذا الأساس- ونظرا للطبيعة الجبرية لنظام اللغة العربية المتمثلة في منظومة الخوارزميات اللسانية التي تجمع بين مختلف مكونات النظام، فإن الربط بين هذه المستويات أمر بالغ التعقيد لا يمكن أن تقوم به الآلة إلا إذا تم تزويدها بالقواعد اللسانية الصورية، أي بالخوارزميات اللغوية، بنوعيها التوليد و التحليل..- إذا قارنا هذا العمل بمكونات الآلة نجد بينهما تشابها كبيرا في خطوات العمل وفي طبيعة النتائج التي يتوصل إليها البحث في كلا المجالين، وهي تسير وفق ما يلي:تمثل الخطوة الأولى لغة صورية تتبع تركيبا معينا في بناء الموضوع، وفي الخطوة الثانية يتم ترجمة لغة خوارزميات البرمجة إلى مقدمة لبناء النص باللغة الطبيعية، ثم تأتي في المرحلة الثالثة اللغة الطبيعية التي تعد النتيجة التي يتم من خلالها التأكد من صحة البرنامج من عدمه.وقد اجتهد الباحثون في الهندسة الحاسوبية في وضع نموذج من الكفاية البشرية على الحاسوب بهدف توفير أسباب الحوار بين الإنسان والآلة، إلا أن نصيب اللغة العربية من هذه البحوث قليل ولا يشمل إلا بعض القطاعات الجزئية التي لا تحتاج إلى خبرة لسانية كبيرة، أما البرامج العربية الكبيرة فلا أظن أن البحث قد شرع فيها إلى اليوم، وسنبين أسباب هذا التخلف الذي تعرفه صناعة البرمجيات العربية.إن امتلاك ناصية الحوار بين الإنسان والآلة باللغة العربية يمثل إحدى الأولويات التي يجب أن توضع نصب عين الباحث اللغوي الخبير بطريقة تصميم الخوارزميات اللغوية وفق نظرية لسانية يشتغل في إطارها، إلا أن هذا يتطلب العمل في إطار مرجعية علمية ذات طابع لساني صوري.أما المهندس الحاسوبي فيأتي دوره في المرتبة الثانية، فهو مجرد منفذ للعمليات الحاسوبية اللغوية التي يضعها اللغويومع ذلك لا يمكن لكل منهما أن يشتغل بمعزل عن الآخر، يجب التعاون المستمر في بناء صرح البرامج اللغوية ذات التوجهات المختلفة: علمية وتعليميةومع الأسف الشديد لا توجد لحد الآن لغة برمجة بالحرف العربي، على الرغم من المحاولات التي بذلت في هذا الصدد في بعض مراكز البحوث العالمية2-التعريف بالمدرسة الخليلية الحديثة تضم هذه المدرسة جماعة من الباحثين ، و يعد الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح * من أبرز علمائها المؤسسين ، و قد عكفت هذه المدرسة منذ حوالي أربعين سنة على دعوة اللسانيين و الباحثين العرب إلى قراءة التراث بمنظار علمي بعيد عن التعسف في الاستنطاق ، و الاعتباط في التأويل.و بفضل جهود علمائها و باحثيها عرفت الدارسين بخصائص علوم اللسان العربي ، و مضامينه النوعية انطلاقا من مقولات اللسانيات الحديثة ، فأثبتت الحلقة المفقودة التي تجاهلها الغربيون عندما أرخوا للفكر اللساني البشري ، و التي تتمثل في مستخلصات ثمانية قرون أو تزيد من مخاض التفكير اللغوي عند العرب لا سيما القرون الخمسة الأولى للهجرة ، التي أفرزت نظرية شمولية في الظاهرة اللغوية.و قد جاءت هذه المدرسة بنظرية وسمت بالنظرية الخليلية الحديثة ، و التي يمكن اعتبارها نظرية رياضية في قضايا اللسان العربي ، و سميت بالخليلية نسبة إلى العالم اللغوي الفذ "الخليل بن أحمد الفراهيدي"* ففيها عكس فكره الرياضي المبدع في تأسيس النحو العربي على معطيات رياضية لا تحتمل الخطأ فجاء البحث اللساني الحديث ليؤكد أن ما توصل إليه الخليل يأخذ المنحى العلمي في الحوسبة اللغوية بكافة فروعها .و قد عمل زعيم المدرسة الخليلية الحديثة- الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح –على تطوير نظريات كل من الخليل و سيبويه و ابن جني بناءا على ما استجد من نظريات لسانية حديثة و ما أنتج في مجال الإعلام الآلي ، حيث طبق مواصفاتها على الحوسبة اللغوية التي تفرضها أنماط التعامل مع الأجهزة الحديثة ، و قد كان نتيجة ذلك أن أسفرت الدراسات التي قام بها الحاج صالح عن أسس النظرية الخليلية الحديثة مما جعلها تنفرد عن غيرها من النظريات من حيث الوجهة و المبدأ ، و هذا ما يتضح جليا من خلال المفاهيم التي بنيت عليها هذه النظرية و التي سأعمل على ذكر أهمها فيما يلي-المفاهيم الأساسية للنظرية الخليلية: -1- مفهوم الاستقامة:يميز "سيبويه" في الكتاب بين السلامة الراجعة إلى اللفظ، و السلامة الخاصة بالمعنى، كما يميز أيضا بين السلامة التي يقتضيها القياس (أي النظام العام الذي يميز لغة من لغة أخرى) و السلامة التي يفرضها الاستعمال الحقيقي للناطقين، و ذلك قوله في باب "الاستقامة من الكلام و الإحالة": "فمنه مستقيم حسن، و محال، و مستقيم كذب، و مستقيم قبيح، و ما هو محال كذب، فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتك أمس، و سآتيك غدا، و أما المحال فأن تنقض أول كلامك بآخره فتقول، أتيتك غدا و سآتيك أمس. و أما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل، و شربت ماء البحر و نحوه، و أما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه نحو قولك: قد زيدا رأيت، و كي زيد يأتيك و أشباه هذا. و أما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس" .فواضح من هذا الكلام أن سيبويه يحدد مفهوم السلامة و علاقتها باللفظ و المعنى من ناحية، و القياس و الاستعمال من ناحية أخرى. فهناك المستقيم الحسن، و المستقيم القبيح، و المستقيم المحال، و يمكن صياغة هذه المعاني بشكل آخر أكثر وضوحا:- فالمستقيم الحسن = السليم في القياس و الاستعمال جميعا.- و المستقيم القبيح = السليم في القياس و غير السليم في الاستعمال.- و أما المستقيم المحال = سليم في القياس و الاستعمال، غير سليم من حيث المعنى. و من ثم جاء التمييز المطلق بين اللفظ و المعنى، و معنى ذلك أن اللفظ إذا حدد أو فسر باللجوء إلى عبارات تخص المعنى فالتحليل هو تحليل معنوي، أما إذا حصل التحديد و التفسير على اللفظ دون أي اعتبار للمعنى فهو تحليل نحوي، و الخلط بينهما - كما يقول الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح- يعتبر خطأ أو تقصيرا " و قد بنى على ذلك النحاة أن اللفظ هو الأول، لأن هو المتبادر إلى الذهن أولا ثم يفهم منه المعنى، و يترتب على ذلك أن الإنطلاق في التحليل يجب أن يكون من اللفظ في أبسط أحواله و هو الانفراد" -2- مفهوم الإنفراد:ينطلق النحاة الأوائل في تحليلهم للغة من "الاسم المفرد" باعتباره النواة أو الأصل الذي تفرع عنه أشياء أخرى. و قد أطلق "الخليل" على هذا المفهوم مصطلح "الاسم المظهر (≠ المضمر)"، كما أطلق عليه "ابن يعيش" و "الرضي الاسترباذي" مصطلح اللفظة و اللفظة في اللسانيات الخليلية عمادها الوقف و الابتداء، فهي أقل ما ينطق به مما ينفصل فيسكت عنده و لا يلحق به شيء. أو يبتدئ فلا يسبقه شيء. فما ينفرد و ينطلق، أو ما ينفصل و يبتدئ هو صفة الانفراد. و مما تجدر الإشارة إليه، أن كل وحدة لغوية قابلة للانفصال عما فبلها أو ما بعدها من الوحدات، بمعنى أن كل وحدة لغوية يمكن الابتداء بها و الوقوف عليها حسب موقعها في الكلام. فمن الألفاظ ما ينفصل و يبتدئ مثل: "الرئيس" في نحو قولنا: "جاء الرئيس" و "الرئيس جاء". و منها ما ينفصل و لا يبتدئ مثل ضمير "تاء الفاعل" و "نا المضاف إليه في نحو قولنا: خرجت" و "كتابنا". و منها ما يبتدئ و ينفصل مثل حرف الجر في نحو قولنا: "في التأني السلامة". و يحمل النحاة "اللفظة" على غيرها من المثل و النماذج فتفرع إلى لفظات في نظائر للنواة، و لكنها أوسع منها، من خلال تعاقب زيادات قبلية و بعدية عليها دون أن تفقد وحدتها أو تتفرد فيها أجزاؤها، فلا تخرج عن كونها لفظة (أي قطعة واحدة). و سمى النحاة هذه القابلية للزيادة يمينا و يسارا " التمكن" و لاحظوا أن لهذا التمكن درجات تترتب كالآتي :أ- المتمكن الأمكن، الذي يحمل معناه بداخله و لا يحتاج إلى غيره، و يتمثل في اسم الجنس المنصرف كرجل و فرس و شجرة.ب- المتمكن غير الأمكن، و يتمثل في الممنوع من الصرف. ج- غير المتمكن و لا أمكن، و يتمثل في الاسم المبني.يتبين لنا من خلال التحديد الإجرائي السابق للاسم ما يلي :أ‌- أن التحويل بالزيادة و التعاقب هو الذي يحدد الوحدات في النظرية الخليلية.ب‌- أن كل الوحدات المحمولة بعضها على بعض بعمليات التحويل هي نظائر للنواة من حيث أنها وحدات تنفرد أولا و متفرعة عنها بالزيادة ثانيا.ت‌- أن الوحدات المحمولة بعضها على بعض تكون مجموعة ذات بنية تسمى في الاصطلاح الرياضي بالزمرة (structure de groupe).و هنا نشير إلى أن العلاج الآلي للنصوص يستلزم مثل هذه الصياغات الرياضية التي تكون على شكل خوارزمات (algorithmes) .-3- مفهوم المثال:يذكر صالح بلعيد أن أستاذه عبد الرحمن الحاج صالح قد ترجم مصطلح "المثال" بمصطلح "schème générateur"، و أنه يعتبر مفهوم اعتباري منطقي رياضي، ذلك لأنه يعد حدا إجرائيا تتحدد به العناصر اللغوية، حيث ترسم فيه جميع العمليات التي بها يتولد العنصر اللغوي في واقع الخطاب . و المقصود بالمثال هو وزن الكلمة و هو مكون من عمليتين هما: العملية الأولى: تهتم بالحروف الأصلية للكلمة.العملية الثانية: تهتم بالتغيرات أو الإجراءات التحويلية التي تتعرض لها الكلمة من خلال دخول الزوائد عليها أو عدم دخولها (أو ما يعرف بالعلامة العدمية في اللسانيات الحديثة) مما يؤدي تغير في الأوزان. -4- مفهوم القياس:يعرف القياس من قبل النحاة على أنه "حمل غير منقول على المنقول إذا كان معناه". و القياس معظم أدلة النحو، و التعويل عليه يكون في أغلب المسائل النحوية إذ لا يتحقق إنكاره لأنه أغلب النحو، و إنكاره إنكار النحو. تقول منى إلياس: "و عماد المنهج النحوي عند الخليل و صاحبه بعد تصنيف الكلم إلى زمر فكرتان هما عمودا القياس الذي يكاد يكون لباب منهجهما، و هما فكرة العامل و فكرة الأصول و الفروع تستتبعه من تعليل. و هذا هو قوام القياس" . و هكذا فإن القياس يحتل مكانة هامة في النحو العربي، إذ "هو حمل شيء على شيء لجامع بينهما، و حمل شيء في الحكم، و هذا الحكم هو الذي يسمى في المنطق الرياضي تطبيق النظير على النظير bijection و تطبيق مجموعة على مجوعة حتى يظهر تطابق في البنية بين مجموعتين على الأقل". -5- مفهوم الأصل و الفرع:بني النحو العربي في أصله على مفهوم الأصل و الفرع. فلأصل عند النحاة العرب هو العنصر الثابت أو النواة، أما الفرع فهو الأصل بزيادة إيجابية أو سلبية. و الأصل كذلك عند العرب - حسب عبد الرحمن الحاج صالح- هو "ما يبنى عليه و لم يبن على غيره"، و الفرع هو الأصل مع زيادة أي مع شيء من التحويل. فالانتقال من الأصل إلى الفروع هو تحويل يخضع لنظام من القواعد و لا بد من التنبيه أن التفريغ له مقابل و هي الحركة العكسية للتفريع و هو عند النحاة "رد شيء على أصله" . فمسألة الأصل و الفرع التي تعد عماد القياس مسألة اهتم بها النحاة و أبرزهم الخليل، تقول منى إلياس: "و الخليل في هذا كله كأنما لمح ببصيرته أن مختلف ظواهر اللغة تنتظمها خطوط خفية و هذه الخطوط الكبرى التي تتشعب عنها الخطوط التي دونها هي التي جعلها أصولا و جعل الباقي فروعا.... و كثير من الأمور التي أخذ فيها الخليل بهذا المبدأ جاءت مطابقة لما ثبت في الدراسات النفسية للغة، التي قامت على أصول تجريبية. فتبين أن الأسماء أقوى تمكنا في النفس و الفعل، و من ثم كانت أثبت في الحفظ من الأفعال، و هذا ما عناه الخليل بقوله إنها هي الأول". و مفهوم الأصل و الفرع خاصية يتميز بها النحو العربي عن باقي العلوم الغربية ما عدا النظرية التوليدية و التحويلية لتشومسكي، إلا أن التحويل في هذه النظرية يقتصر على نوع واحد، و هو التحويل الذي يربط بين البنية السطحية و البنية العميقة للجملة. و يقابله في النظرية العربية ما يسمى بالتحويل التقديري. و يرى عبد الرحمن الحاج صالح بأن "مجموع العمليات التحويلية التي تؤدي إلى نتيجة معينة تكون دائما ما يسمى عند الرياضيين المحدثين بالزمرة (groupe)".
لغـة الطفل بين الفطرة والاكتساب دراسة في الفكر اللغوي بقلم د.حامد احمد الشنبري. ( 2 )الأساس الثالث :يتمثل هذا الأساس في أن كل طفل يستطيع بصورة طبيعية أن يميز بين بنيتين مختلفين للغة هما : البنية العميقة " Deep Structure ", والبنية السطحية " Surface Structure " كما أنه يلم بالقواعد التي تحول البنية العميقة المخزونة ذهنياً إلى تجسيد أدنى , أي تركيب سطحي " Performance " . وهذا يساعد الطفل على تكوين فرضيات عقلية , أو ذهنية يستخلصها من الكلام الذي يسمعه , والذي يتألف (( عادة )) من خليط غير مفهوم من الأصوات , ويبدأ بتعديل هذه الفرضيات تدريجيا( 7).وقد استفاد تشومسكي من أفكار فلاسفة القرنين السابع والثامن عشر أمثال " ديكارت " الذي رأى أن للإنسان قدرات فريدة لا يمكن تفسيرها آليا ( حتى ) , وإن صلح هذا التفسير أحياناً في ميدان الوظائف الحيوية والسلوكية للإنسان . وأظهر هذه القدرات وأعظمها في نظره هي اللغة الأنسانية التي لاتحدها أية ارتباطات أو قوالب تعبيرية ثابتة , نتيجة لمؤثرات خارجية أو حالات فسيولوجية , ومن ثم فهي صورة للعقل البشري باعتباره أداة عامة صالحة لكي تلائم كل الحوادث والاحتمالات(8 ) .وقد انتقد تشومسكي بعض علماء اللغة المحدثين من قبله أمثال دي سوسير " Desaussur " و هوكت " Hokett " وغيرهما , ممن لم يلتفت إلى ملاحظات " دي كارت " حول العقل واللغة , أو هؤلاء الذين رأى أنهم قد فشلوا في فهم هذه الملاحظات , وخاصة بلومفيلد " Bolmfield " الذي نسب الجانب الإبـداعي إلى نظرية القيـاس في اللغـة , مما يدل على أنه لم يدرك العلاقـة بين العقـل واللغة على نحو صحيح( 9) .ومن ثم فقد صاغ " تشومسكي " هذه الأفكار صياغة جديدة عندما رأى أن للإنسان قدرة عقلية فريدة تعد عطاء للفطرة , وتتمثل في الجانب الإبداعي للعقل البشري الذي تعده اللغة أعظم معطياته( 10) .تطور نظرية تشومسكي : يعتبر ما قال به تشومسكي في نظريته الحديثة التي أسماها الإبداع أو الابتكار امتداداً لنظريته السابقة , النظرية الفطرية , يقول بعض الباحثين : " لقد أضاف تشومسكي ما أسماه بنظرية الإبداع والابتكار , ويراد بها تلك الصفة النفسية التي تتوافر عند من يتكلم لغـة معينة ويستطيع استخدامها بيسر وسهولة , وبناء على هذه النظرية الجديدة ، فإن الطفل يكتسب لغـة الأم عـن وعي وإدراك حتى في سن مبكرة جدًّا , وأنه حالما يستوعب القواعـد المختلفة التي تعتمد عليها اللغة تتكون عنده القدرة على الإبداع والابتكار , التي تمكنه من توليد الجمل المختلفة التي يريدها في الوقت والظرف المناسبين"(11 ).ووفقاً لما ذهب إليه تشومسكي من أن الطفل لا ي*** وذهنه صفحة بيضاء , بل ي*** مزوداً بقـدرة خاصة تمكنه من تعلم اللغة , ويحاول أن يضع ما يسمعه من ألفاظ اللغة التي يعـيش بين أهلها في القوالب العامـة . ومن ثم فالطفل لا يكون عنصراً يقتصر دوره على التلقي والأخذ والتقليد , وإنما يمثل عنصراً إيجابياً يستخدم قدراته العقلية (الإبداعية ) أثناء اكتسابه للغـة( 12) , وتوليد نماذجها المختلفة . ملامح نظرية تشومسكي ( الإبداع والابتكار ) : لقد كان من أهم الملامح لهذه النظرية ( الإبداع والابتكار ) الأخذ بمبدأ التمييز بين كل من القدرة " Competence " , والأداء الفعلي "Performance "( 13) .وهذا يذكرنا بما صنعه دي سوسيرعندما فرق بين اللغة Langue والكلام Parole .تقـول " J. Green " والإشكالية الأساسية في هذه التفرقـة أنه قد لا يكون هناك دائماً توافق دقيق بين المتعلم وقوانين اللغة ( 14).وأهم مقومات هذه اللغة أو القدرة هي معرفة الفرد بالقواعد الصرفية والنحوية التي تربط المفردات بعضها ببعض في الجملة بالإضافة إلى معرفة قواعد التحويل " Transformational Rules " وهي التي تعمل على تحويل البنيات العميقة للجملة إلى الشكل الخارجي للأداء ( السطحي ) الذي يعبر عنه بأصوات الكلام , ومن ثمّ يكون المقصود بالأداء هو الأصوات اللغوية المنطوقة بالفعل ( 15).موقف اللغويين الغربيين من آراء تشومسكي التوليدية والتحويلية لقد امتدح كثير من الغربيين جهود تشومسكي في اللغة بوجه عام على سبيل المثال ما قاله بالمر " Palmer " إنّ نظرية تشومسكي هي أكثر النظريات اللغـوية أثـراً في الوقت الراهن , ولا تسمح لأي دارسٍ جادٍّ بإغفالها . وقال " Robins " : لعل أهم تغيير في اتجاه اللسانيات الوصفية والنظرية الذي حدث في السنوات الأخيرة هو الذي وقـع على يد تشومسكي منذ أن ظهر كتابه الأول عن هذه النظريـة عام 1957م( 16) .ورغماً من ذلك المديح , فلم تعدم هذه النظرية من ينتقدها ويصفها بأنها نظرية جدّ معقّدة وشبه رياضية( 17) .وقد لاقت افتراضات تشومسكي والأراء التي ذهب إليها في هذه النظرية نقداً من قبل علماء النفس اللغوي , الذين ذهبوا إلى أنه باستثناء عموميات قليلة في التركيب اللغوي , فإنه ليس هناك وجود واضحٌ أو واسع لهذه الافتراضات , والشيء الوحيد الذي أقره هؤلاء هو أن الكائن البشري لديه استعداد بيولوجي ( فطري ) للتفاعل مع البنية ( التركيب اللغوي ) على أسس شكلية وليست عقلية بحتة ( 18).الفكر اللغوي العربي وتوليد الطفل للغة : يرى كثير من اللغويين المحدثين أن علماء العربية القدامى قد ألمحوا لكثير من المسائل اللغوية التي اشتملتها آراء تشومسكي فيما يخص توليد اللغة خاصة فيما يتعلق بالتمييز بين البنيتين العميقة والسطحية من ناحية ( 19), والفرق بين القدرة والآراء من ناحية أخرى, بيد أن مثل هذه الإشارات لم تلق ما هي حقيقة به من الاهتمام والتطوير من قبل اللغويين المتأخرين. وسنعرض هنا لبعض تلك الآراء عند ابن خلدون من القدامى , ومحمد خلف الله أحمد من المحدثين (20 )؛ لأن كل منهما كان يُعنى باكتساب الطفل للغة وتوليده لها .رأي ابن خلدون : معرفة اللغة عند الطفل فيما يراه العلامة ابن خلدون عن طريق ملكة أو صفة راسخة تقترب من مفهوم الكفاية اللغوية عند أصحاب الفكر التوليدي . يقول ابن خلدون في مقدمته : (( يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيُلقَّنُها أولاً ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقّنُها كذلك , ثم لا يزال سماعُهُم لذلك يتجدد في كل لحظةٍ ومن كل متكلمٍ , واستعمالُه يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكةً وصفة راسخةً, ويكون كأحدهم , هكذا تصيَّرت الألسُـنُ واللغات من جيل إلى جيل وتعلَّمها العَجَمُ والأطفال )) (21 ).ويعلق أحد الباحثين على ما ذكره ابن خلدون قائلاً : (( إن الملكة اللسانية بذلك هي الأساس في لغة المنشأ حيث يترعرع الإنسان , وهي بالتالي تكون تامة في اللغة الأم , ويصعب على الإنسان اكتساب ملكة لسانية أخرى تكون تامة وراسخة مضافة إلى ملكته اللسانية الراسخة التي اكتسبها من البيئة التي ترعرع فيها , وتقتصر هذه الملكة الراسخة على لغـة المجتمع الذي ي*** فيه الطفل ( أي اللغـة الأم ), ولا علاقـة لها بالجنس أو العرق , بل تتكون عند الطفل خلال نموه في المجتمع الذي يتكلمها )) ( 22).ويشير ابن خلدون إلى العلاقة القائمة بين الملكة اللسانية وبين صناعة العربية , فيقول : (( ذلك أن صناعة العربية هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة , فهو علم بكيفية وليس نفس كيفية )) .ومن الواضح هنا أن ابن خلدون يميز بين الملكة اللسانية الفطرية وبين صناعة العربية المكتسبة بالتعلم . وهذا التمييز يقـارب إلى حد كبير ما قـام بـه تشومسكي من التفـرقـة بين " Competence " أي الكفايـة , و " Performance " الأداء , حيث إن هذه الكفاية اللغوية أو الملكة اللسانية لا تعدو أن تكون أمراً ذهنياً يتولـد منه الكـلام , إذ هي معرفة ضمنية بالقواعد التي تنتج الجمل , أما الأداء الكلامي أو الاستعمال الفعلي فإنما يتمثل تطبيقاً واستعمالاً آلياً لهذه المعرفة الضمنية بالقواعد أثناء عملية توليد الكلام , وهو يتم عبر قواعد الكفاية اللغوية . وبالموازنة بين مفهوم الملكة اللسانية عند ابن خلدون والكفاية الللغوية عند تشومسكي , نجد أن ابن خلدون في نظرته إلى الملكة اللسـانية , قد اقترب من مفهوم الكفايـة اللغوية عند تشومسكي ؛ لأن الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون هي في نهايـة المطاف المقدرة على صناعة العربية , إذ يكفي اللجوء إلى قوانينها لكي يصوغ العربي الكلام العربي الصحيح , كما أن الكفاية اللغـوية في نظريـة تشومسكي هي المقـدرة على تكلم اللغـة أو كتابتها . ومما لا يصح إغفاله هنا هو أن ابن خلدون يركز على صناعة اللغة أو كتابتها في حين أن النظرية التوليدية لتشومسكي تركز على الأداء الكلامي بصورة عامة(23 ) .لقد أدرك ابن خلدون أيضا دور العملية الإبداعية حين أشار إلى أنّ سماع الطفل يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم , (( واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم )) ( 24) . تظهر مجالات الإبداع هنا من خلال تنوع الكلام وتجدده حتى تُمكِّن مقدرة الإبداع أو الابتكار الطفل من توليد أنماط اللغة بصورة متجددة, وفي ظروف ومواقف متجددة أيضا عن أفكار لا حصر لها ؛ لأن ملكة الإبداع ت*** ما لا يحصى من الجمل للتعبير عمّا لا يحصى من الأفكار من خلال القدرة على استخدام النظام التقليدي المعتمد على الكفاءة والمقدرة الذهنية .ويمكن تلخيص عملية اكتساب وتوليد الطفل للغة عند ابن خلدون على النحو التالي : أولاً : يسمع الطفل مجموعة متجددة من تراكيب اللغة . ثانياً : يحاول أن يتكلم على نحو إبداعي . ثالثاً : يمارس هذا التكلم . رابعاً : تتكرر عملية الممارسة والتكرار , فيؤدي ذلك بالتالي إلى ملكة اكتساب اللغة وتوليد أنماطها المختلفة . وهكذا يتضح لنا كيفية مقدرة الطفل على توليد لغة بيئته التي يترعرع فيها بالاسـتناد إلى مقدراته الفطريـة , وأن ابن خلدون قد مهد الطريق أمام المفاهـيم اللغوية التي أكدتها الدراسات اللغويـة النفسية الحديثة من خلال آراء تشومسكي , وقد أكدت على ذلك الدراسة التي قام بها أحد الباحـثين بعنوان( 25) :Ibn Khalduun and Not Chomesky, The True Orginator Of The Theory of Language Faculty.رأي الدكتور/ محمد خلف الله أحمد : يعد الدكتور/ محمد خلف الله من رواد المدرسة النفسية اللغوية العرب , وقد تناول مسألـة اكتساب اللغة عند الطفل في دراستين هامتين , هما : الأولى : كتابه " الطفل من المهد إلى سن الرشد " 1939م .والأخرى : مقاله عن " الطفل واللغة القومية " 1970م , ودراسته الأخيرة هذه انتهى فيها إلى " أن الطفل يتعلم لغته القومية بسهولة ويسر, وهو بلا تجارب أو معارف سابقة " ( 26).وقد أكد على أن من أهم مظاهر المقدرة النحوية عند الطفل القدرة على التعبير اللغوي , واستعمال أجزاء الكلام , وهو بهذا يكون قد استبعد دور الأسرة في تعليم الطفل لغته القومية ( 27). ويقتصر دور الأسرة في نظره على تسهيل عملية اكتساب اللغـة من خلال عرض نماذج لها دون تلقين منه أو تقليد من الطفل . وهذا يعني الابتكار والتجربة من قبل الطفل من ناحية , وهو من – ناحية أخرى – يفسر استمرار الأخطاء اللغـوية التي تسمع من الطفل في محاولته الدائبة لتنمية ملكته الفطريـة خاصة فيما يتصل بالنظام النحوي , فكل ذلك يتحقق من خلال المادة اللغـوية المسموعة التي يتعرض لها الطفل . لهذا كله يرفض كل من تشومسكي وخلف الله مبدأ التقليد في اكتساب اللغة من منطلق أن التسليم به يُحوِّل الطفل إلى ببغاء لا عقل لـه , كما يرفضان أيضا المذهب السلوكي ؛ لأنه يساوي بين السلوك الإنساني , والسلوك الحيواني . وينزع عن الإنسان السمة الوحيـدة التي تميز بها الإنسان وهي العـقل , كما يتمثل في اللغة والتي بدونها لا تتحقق انسانية الإنسان ( 28), ولا يمكن موافقة الدكتور/ خلف الله في كل ما ذهب إليه من الاستبعاد التام لدور الأسرة في اكتساب اللغة ؛ لأن الدراسات النفسية التي قام بها كل من برنشطاين " Bernstein ", وبورديو " Bourdien " , وباسرون "Passeron" تؤكد على دور الأسرة في اكتساب اللغة لدى الطفل , وتبين كيف أن الفوارق اللغوية الموجودة بين الأسر تحدد الفوارق أمام النجاح المدرسي وتثبيت التباينات الاجتماعية , ففي أسرة ذات قاموس لغوي ضعيف, أو يقل فيها الكلام تكون قدرة الطفل على النمو الفكري والتوليد اللغوي بطـيئة , حيث يمتنع الطفل عن إلقاء الكلمات , ويتعمد الصمت في بعض الحالات الشيء الذي يؤدي إلى حالات نفسية مقلقة (29 ).والحقيقة التي لا مراء فيها أن للأسرة في المدينة والقرية والحاضرة والبادية دوراً كبيراً في عملية إسماع الطفل بصفة متكررة لألفاظ وعبارات اللغة , بيد أن هذا لم يكن ليعطي أثره الفعال دون أن يكون لدى الطفل الملكة اللسانية أو الكفاية اللغوية , التي تساعده على فهم وتوليد جمل شبيهة أولاً , ثم متجددة ثانياً . ومن هذا المنطلق فإنه لا تناقض بين ما تقوم به الأسرة من تعليم وتلقين , وما تنهض به الملكة اللغوية , وإنما كلاهما يتضافر مع الآخر , وذلك وفقاً لبيئة الطفل الاجتماعية , والتي تنشأ عنها فروق لغوية مهمة يتميز بها كلُّ حسب الموطن الذي نشأ وترعرع فيه , تؤثر في كمية وكيفية اكتسابه للغة , وبالتالي فإن على مخططي البرامج التعليمية مراعاة التنوع في المادة اللغوية المقدمة للطفل حتى تتلاءم مع هذه الفروق , كما أن على دور التعليم المختلفة التقليل من آثار هذه الفروق – ما أمكن – وخاصة فيما يتعلق باختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية, حيث يمكن تدبير رحلات منظمة تكتمل عن طريقها خبرات الأطفال الريفين بذهابهم إلى المناطق الحضرية والتجول فيها وبالعكس بالنسبة لأطفال المدن الذين تنقصهم الألفاظ المتعلقة بحياة الزراعة والرعي , وما يتعلق بها. ومن الوسائل المساعدة في التغلب على مشكلة الفروق الفردية اللغوية ما تقوم به وسائل الإعلام , وخاصة المرئية منها , إذ بإمكانها تقديم برامج تتكامل مع بعضها وتلائم أصحاب البيئات المختلفة، ولا يجب أن نغفل دور الآباء والأمهات في معالجة ما قد يلاحظ لدى أبنائهم من نقص للمقدرة اللغوية وكونهم الأقدر على تقويم أداء أبنائهم وصقل مقدرتهم اللغوية, يساعدهم على ذلك تعاون مثمر بينهم والمعلمين. كما أن على وزارات التربية و التعليم و الإعلام والصحة و الخدمة الاجتماعية العمل سوياً على وضع برنامج للطفل العربي يظهر قدرته على اكتساب اللغة والتعلم كماً وكيفاً ، آخذاً في الاعتبار نسب الذكاء عند الأطفال والواقع الثقافي والحضاري في الوطن العربي. هـذا وبالله التوفيق . الهوامش:1) تطور لغة الطفل لأحمد أبو عرقوب , ص 39 .2) لغة الطفل في ضوء مناهج البحث اللغوي الحديث للدكتور / حسام البهنساوي , ص97 .3) الألسنية ولغة الطفل العربي لجورج كلاس , ص 144 . 4) لغة الطفل في ضوء مناهج البحث اللغوي الحديث , ص 100 . 5) انظر الألسنية ولغة الطفل العربي , ص 144 . 6) انظر علم اللغة العام , دي سوسير ترجمة يوئيل يوسف عزيز , ص 24 , وكذلك النمو المعرفي النظرية والتطبيق لتيريز ترجمة عادل عبدالله محمد , ص 89 .7) انظر الألسنية ولغة الطفل العربي , ص 145-146 , وقارن بتطور لغة الطفل , ص 40 . اللغة والطفل , دراسة في ضوء علم اللغة النفسي للدكتور/ حلمي خليل , ص 87 .9) Chomesky, N,Cartesian Linguistics, p:12 , وقارن بالمرجع السابق , ص 88 . 10) السابق : P: 3 - 5 .11) Chomesky, N, Aspects of Theory of Syntax p. 59 , وانظر علم اللغة النفسي لجرين ترجمة مصطفى التوني , ص 121 .12) علم اللغة النفسي لجرين ترجمة مصطفى التوني , ص 121 . 13) H. g widdowson, linguistics, p 24- 26 14) انظر علم اللغة النفسي لجرين ترجمة مصطفى التوني , ص 121 .15) انظر علم اللغة النفسي , د/ عبدالمجيد سيد أحمد منصور , ص 139 .16) انظر النظرية الأمريكية في اللغة تشومسكي 1986 للدكتور/ ابن رشد المعتمد , ص 9-1017) السابق , ص10 .18) انظر تطور لغة الطفل لأبي عرقوب , ص 40 .19) انظر في الموازنة بين جهود تشومسكي وعبد القاهر الجرجاني , تعليم النحو بين النظرية والتطبيق د / تمام حسان , مجلة المناهل عدد 7 عام 1976 , ص 112 فما بعدها . وانظر أيضا مفهوم البنية العميقة بين تشومسكي والنحو العربي , مجلة اللسان العربي , ص 5 , العـدد 34 . 20) يعد الدكتور/ محمد خلف الله – رحمه الله – من الرواد الأوائل للمدرسة النفسية في دراسة اللغة والأدب , ومن أوائل من كتب حول اكتساب الطفل اللغة . انظر اللغة والطفل , دراسة في ضوء علم اللغة للدكتور/ حلمي خليل , ص 8 . 21) مقدمة ابن خلدون , ص 1071 . 22) بتصرف من : الملكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون , د/ ميشال زكريا , 29 . 23) الملكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون , ص 24 . 24) مقدمة ابن خلدون , ص 1071 . 25) انظر نتائج هذه الدراسة وتفصيل أكثر حول هذا الموضوع في كتابنا لغة الطفل . 26) انظر بحوث ودراسات في العربية وآدابها مقال د/ محمد خلف الله أحمد بعنوان : الطفل واللغة القومية , ص 255 . 27) اللغة والطفل دراسة في ضوء علم اللغة النفسي , ص 90 . 28) السابق , ص91 . 29) انظر إشكالية التواصل داخل الأسرة المغربية للأستاذة / عائشة بالعربي , بحث منشور في مجلة جمعية موظفي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط , ص 79 – 90 . الدكتور حامد احمد الشنبري.